..............مقالات.....................


أيام سريانية

توفيق التميمي

لربما هي المرة الأولى التي أحظى بشرف الحضور والمشاركة في مهرجان أيام الثقافة السريانية في دورته الثانية التي حملت اسم القاص العراقي السرياني إدمون صبري، وتأتي هذه الدورة بعد الدورة الأولى التي أقيمت في عينكاوة قبل عامين. 

المهرجان كان على درجة عالية من التنظيم الفني والإداري ، لم ترافقه أية إرباكات تحصل عادة في مثل هذه المهرجانات الثقافية الأخرى ،وما أضفى على أيام المهرجان أجواء المتعة والبهجة ..تلك المدينة الوادعة عينكاوة التي احتضنت فعاليات المهرجان في دورتيه المتعاقبتين. 

عينكاوة جذبت انتباه ضيوف المهرجان من المثقفين والأدباء القادمين من أنحاء العراق وخارجه وتلويناتهم الدينية والقومية واختلاف ألسنتهم، 

جذبتهم المدينة بتطور عمرانها الذي لم يتوقف ،وبنظافة شوارعها وطيور الأمان التي ترفرف على أشجارها السامقة ،فضلا عن السلام الذي يسكن في قلوب أهلها والمقيمين في هذه المدينة من اللائذين من خراب المدن الأخرى .

وبعيدا عن عينكاوة المدينة الجميلة التي احتضنت المهرجان وأجواء السلام والهدوء والنظافة التي تلتمع بها طرقاتها وأحيائها السكنية، فثمة دلالات ثقافية وسياسية حققها المهرجان ،لابد من الإشارة إليها ونحن نحتفي بمهرجان للثقافة السريانية ، حيث أفصحت فقرات البرنامج المكثف لأيام الثقافة السريانية عن التنويع العراقي المتناغم لمثقفين عراقيين مثّلوا أديان وقوميات ومذاهب مختلفة ومتناغمة ، حضروا من مدنهم للإسهام بالكشف عن كنوز هذه الثقافة العراقية الأصيلة والضاربة لجذورها في أعماق أعمق التاريخ العراقي وربما يحدث أول مرة حضور مثل هذا العدد من الأدباء والأكاديميين والشعراء ليسهموا في الاحتفاء بالثقافة السريانية العراقية .

فمن مفارقات المهرجان الجميلة أن يتصدى الباحثون الشيعة والكورد لنفض الغبار عن كنوز الثقافة السريانية والتي تشكل رافدا مهما من روافد الثقافة العراقية وجذورها الأولى كما أثبتت بحوث وأوراق هذا المهرجان ،اثبت المحاضرون ببحوثهم المكثفة وأوراقهم الغنية. إن ثقافة السريان العراقيين الأولى ظلت تتسلل إلى ثقافة الأمة العراقية بكل شعوبها وأديانها من أغاني وملاحم ومفردات اللسان حتى يومنا هذا رغم الفترات السوداء التي هيمن فيها حكام وسلاطين شموليين كانوا لا يرون من العراق إلا الزي الواحد الموحد في الثقافة والحياة .

واثبت إقامة المهرجان في مثل هذا الوقت إحباط المخططات والنوايا الشريرة لقوى الإرهاب والظلامية التي كانت تحلم باقتلاع السريان من جسدهم العراقي تحت لغة التصفيات ورسائل التهديد ، فالمشاركة النوعية لأدباء ومثقفين عرب وكورد وسنة وشيعة من داخل العراق وخارجه والاحتفاء الإعلامي بأيام المهرجان من وسائل إعلامية مختلفة ،عبّر عن اصطفاف جبهوي ثقافي عراقي بعُدّة الجمال والفكر بوجه معسكر الظلام وقواه الإرهابية لاسيما في نواياه باستهداف الوجود المسيحي العراقي .

اعتقد إن هذه الرسالة الأخيرة كانت من ابلغ الرسائل السياسية التي أوصلتها الأيام السريانية للمعنيين بالأمر ...أصدقاءَ وخصوما ، كما اعتقد أن من حضر هذه الدورة واسهم في فعالياتها لن ينسى هذه الأيام الجميلة في مدينة وادعة وهادئة وآمنة كمدينة عينكاوة.

كاتب وصحفي عراقي.