..............مقالات.....................


كشكر هل هي اول مدينة مسيحية في بلاد الرافدين؟

فؤاد يوسف قزانجي

كشكر او كسكر لعلّها اقدم مدينة مسيحية في العراق حسب رواية مار ماري . يرجح ان كلمة كشكر تعني عامل الزرع . بنيت على شاطئ  دجلة في مجراه القديم جنوب العراق قرب بلدة الحّي المجاورة للكوت حيث تبعد عن بغداد جنوبا ً أكثر من ( 170 كم) . وكان موقعها شرق مدينة واسط التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي في مفتتح القرن الثامن ( 703 م ) من المرجح أن كشكر مدينة آرامية بنيت بقربها بلدة خسرو – سابور وكانت تسمى بيت كشكر اتي ايضا .(1) وتقع وسط كورة اراماي في زمن الفرثيين ، التي كانت تشمل حوض دجلة الأدنى من أطراف النهروان الى البحر ( الخليج العربي ) . اشتهرت المدينة بمنتجاتها من الحبوب كالحنطة والشعير والأرز ، كما ذاع صيتها في تربية الدجاج والبط وورد ثناء على دجاجها في كتاب الحيوان للجاحظ . وكانت كشكر أول مدينة في بلاد الرافدين تجاوبت مع دعوة مار ماري تلميذ الرسول مار أدي، إذ اهتدى أهلها إلى المسيحية قبل أن يعتدي أهل ساليق ( سلوقية ) حيث وجد مار ماري في بادئ الأمر صعوبة في هداية أهلها بعكس الفرس في كشكر . ويذكر أن أهلها عرفوا بأنهم ذوي علم وأدب وذكاء وحذاقة لم يبلغ إليها غيرهم ، وكان مار ماري قد وجد في كشكر معبدا ً فارسيا ً يسجد فيه للشيطان، وهو صنم يشبه النسر وفيه تمثال يدعى نيشار . وقد صنع مار ماري في كشكر أعمال بّر وقد شفى بعض المرضى بقوة الله والمسيح حتى أن كاهن المعبد الفارسي نبذ الأصنام ، واقتدى به كثيرون من أهالي المدينة فاعتنقوا عبادة الله الحيّ . وبنى مار ماري لهم كنيسة قبل أن ينحدر إلى جند يشابور ومنطقة  ميشان ثم يعود الى ساليق . ونظرا ً لأهمية كشكر التي أصبحت مركزا ً مشعا ً للمسيحية ، فقد عدّ مطران كشكر نائبا لرئيس الأساقفة أو جاثليق العراق وذلك عند شغور كرسي ساليق طيسفون مركز رئيس الأساقفة . وحدث انه في فترة خلافية بين الأساقفة لذلك شغل كرسي الجاثليق مطران كشكر مدة ثلاث سنوات  567-570م (2). كانت قد أقيمت في كشكر أديرة عدة منها الدير الذي أنشأه الراهب راموي ، وكذلك الدير الذي أقامه مار ققرا قرب نهر دجلة بجوار جيلتا ودنحائن . كما أسس مار سركيس دودا ديرا ً ( بجبل ) كشكر . وفي أيام مار سركيس كان حنانيا الحديابي قد ذهب إلى نصيبين حين جهد في الدعوة والهداية بين الوثنيين وألف كتبا ً عدة وتاريخا ً كنسيا ً ثم قدم كشكر وهناك قضى نحبه .(3) ومن الشخصيات في مدينة كشكر في القرن الثالث للميلاد القديس ارخيلاوس الكشكري الذي كان أسقفا ً لكشكر ولعله أول أسقف لها ، صنّف بالسريانية كتابا ً يحتوي على جدل جرى بينه وبين الهرطوقي مانسس الذي كان يشكك في ناسوت المسيح ، وأسم الكتاب ضد مانسس . (4) وكان مار يوحنا الذي يعود أصله الى كشكر قد ذهب وانشأ ديرا ً باسمه في ( جبل ) اوروك .(5) وفي مطلع القرن الخامس نلقى اسم شمعون الكشكري كمفسّر في مدرسة نصيبين احدى المدارس العالية مثل نصيبين وجنديشابور . كما وجد دير العمال ( اي الحكام ) وكان يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من واسط ، ثم دير بزّ الانهار؛ أسس هذا الدير غريغور الذي ولد في كشكر وأصبح مطرابوليط هذا الدير وتوفي فيه بعد شيخوخة متقدمة. ثم دير ما يرجى التأكد من الاسم؟ ويقع في الجهة الشمالية من كشكر .(6) كذلك دير عمر الكسكري ويدعى أيضا دير عمر كشكر ، وهو دير أنشأه جبرائيل او كبرييل الكشكري الذي أصبحت له أهمية باعتبار أن زيارته تعد إحدى المراحل التي يتوجب أداؤها على الجاثليق او البطريق الجديد في ساليق .
وقام الراهب يوحنان بتأسيس دير مار يوحنان في موضع يقال له (فقعثا) اي السهل والبرية. وقام الراهب ( حيّا ) بتجديده وذلك في منتصف القرن السادس . وأسس ديرا ً الراهب مار سبر يشوع في كشكر وهو معاصر للجاثليق فثيون   (731-740) ديراً في كشكر أقام فيه فترة مار ابّا الثاني (741-751) والبطريرك اسرائيل الأول (961) . وكان الملك الساساني أردشير الأول 224-241م ) قد احتل كشكر ودمرها انتقاما لمسيحيتها وصمودها في وجه غزوته ، لكن بعد حين عاد العديد من سكانها ، وازدهرت من جديد . وكان تومرصا من كشكر قد عُقدت له رياسة الأساقفة في طيسفون – ساليق وكان يطوف المدن ويعمّر البيع اي الكنائس ، وكان يعرف غوامض الناس ، وبقي في هذه الرئاسة مدة سبع سنوات ودفن في طيسفون .(7) وكان سبر يشوع قد أمره الملك الفارسي بالذهاب إلى مسقط رأسه كشكر على أثر خلاف بينه وبين بعض المطارنة . فلما ذهب عمد إلى بناء دير في الموضع المعروف باسم (يزداد نهروثا ) وقام بهداية الكثيرين من الوثنيين إلى المسيحية هناك .(8) وفي القرن السادس للميلاد برز الراهب إبراهيم الكشكري الذي تضلع في علوم الدين وقصد الحيرة ثم الاسكندرية وسيناء وتعلم هناك أنظمة الرهبان والزهّاد ثم عاد ، ومن مصنفاته ( سفرة في قوانين الحياة النسكية ) طبعه المستشرق شابو في روما سنة 1898 . وفي زمن خسروا وكسرى الأول انو شيروان 531-579 وسعّت كورة كشكر وأضيف إليها كورة هرمزدخره وكورة ميشان وجعلت طسوجين هما خسرو سابور الزندورد ، فلما غزا المسلمون البلاد فرقوها. واشتدت كشكر بزكاء الأرض وجودة الغلة . وكانت مدينة واسعة كبيرة لعلها تأتي بعد مدينة طيسفون . سميّت كشكر بكسكر في مفتتح القرن السابع للميلاد ربما بعد مجيء المسلمين إلى العراق . وكانت المدينة آنذاك تتألف من أربعة طسوج أو مناطق هي الزندورد شمالا ً والثرثورة والجوزار والأستان ، وكانت تجري فيها ثلاثة جداول من الفرات هي صلة وبرقة والريّان. العبادة  غير مفهومة؟ في زمن الإسلام اثني عشر إلف مثقال كما يذكر ياقوت الحموي ، وكان أهلها لا يريدون الخروج سيما وان معظمهم مسيحيون اضطروا لدفع الجزية وكذلك الخراج عن غلاتهم ، كما أن الشاعر عمران بن حطان سخر من أهلها قائلا ً لا فض فوه ! :
فلو بعثنا بعض اليهود عليهم   يؤمهم أو بعض من تنصّرا
لقالوا رضينا إن أقمت عطاءنا وأجريت ما قد سنّ من برّ كسكرا
ويذكر(( ان القائد المثنى خربَّ زندورد وسبى أهلها زندورد مراماة للمسلمين ساعة )) وبعد الاستيلاء على منطقة كشكر عينّ الخليفةُ عمر النعمان بن المقرن عاملا ً على كسكر والمنطقة المحيطة   بها . وأصبحت كسكر احد أقسام العراق الرئيسة الثلاثة عدا السواد وكور دجلة، وذلك لأهميتها الاقتصادية ولوفرة ميزاتها. وفي القائمة التي أعدها أبو الوزير عمر بن المطرف عن جباية الخراج في أوائل خلافة الرشيد قد قدّرت جباية كسكر في هذه القائمة ( احد عشر ألف ألف وستماية ألف درهم ) . دعا المسلمون أهل كشكر بالنبط إي خليط من الآراميين والعرب أو قد يعني السريان . وقد ورد أن الحجاج منع بقاء النبط في واسط . وقد نقل الوالي الحجاج الى قصره في واسط أبوابا من بعض عمارات أديرة كسكر مثل دير سباط ودير مارسرجبان (( فضج أهل المدينة المسيحيين ، وقالوا قد آمنا على مدننا وأموالنا ، فلم يلتفت إليهم )) (10) وبعد موت الحجاج انفتحت أبواب مدينة واسط المجاورة لكسكر للمسيحيين . وقد تطورت واسط واتسعت على حساب مدينة كسكر . وكانت سلطات المدينة قد انتقلت إلى واسط ، وسرعان ما انتقلت إليها سلطات الكنيسة النسطورية أيضا . كما نقل إليها الكرسي الأسقفي من كسكر حتى دعيت واسط في القرن الثامن مدينة الآراميين ( المسيحيين ) أحياناً ومازال أساقفة الكلدان يحتفظون بلقب أسقف كشكر شرفا وتقديرا ً لتلك المدينة المسيحية الجليلة . أهملت مدينة كسكر تدريجيا ثم تداعت في القرن الثاني عشر للميلاد ، ولم يبق منها الآن غير آثارها التي لم يجر التنقيب عنها أو عن كنائسها وأديرتها .

 

المصادر
( 1 )  مسكوني ، يوسف يعقوب . نصارى كشكر وواسط قبل الاسلام .
مجلة النور . بغداد . العدد الرابع السنة الأولى 1949 ( ص 10) .
( 2) مسكوني ، يوسف . المصدر السابق . (ص12)
( 3 ) ايشو عدناح . الديورة في مملكتي الفرس والعرب او الصفّه ،نقله الى العربية الاب بولس شيخو . الموصل . مطبعة النجم ، 1939 ( ص52- 58 ) .
( 4 ) قاشا ، الخوري بيوس ، حياة مريم العذراء . بغداد : مطبعة الديوان ، 2004(ص123) .
( 5 ) ايشو عدناح . الديورة في مملكتي الفرس والعرب . المصدر السابق ( ص60 )
( 6 ) ابونا ، الاب البير . ديارات العراق . بغداد ، مطبعة نجم المشرق ، 2006  ( ص332 – 339 ) .
( 7 ) ماري بنت سليمان . اخبار فطاركة كرسي المشرق من كتاب المجدل ، طبع في روما 1889 (ص 28) .
( 8 ) التاريخ الصغير لمؤلف مجهول ، ترجمة وتعليق الاب د. بطرس حداد . بغداد : مجمع اللغة السريانية ، 1976 ( ص63 – 64 ) .
( 9 ) الحموي الرومي ، شهاب الدين ياقوت . معجم البلدان . مادة كسكر مج 4 ص 138 .
( 10 ) العلي ، صالح احمد . معالم العراق العمرانية . بغداد : دار الشوؤن الثقافية ، 1989 ص 216 – 218 ، وكذلك الصفحات ( 171 – 176 ) .