المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية
..............ابحاث ودراسات.....................

المؤرخون العراقيون المسيحيون في القرون المتأخرة

د.عماد عبد السلام رؤوف

 

أدى فرض العثمانيين سيطرتهم على العراق سنة 941هـ / 1534م  ، إلى أن يشهد هذا القطر نوعاً من تثبيت السلطة السياسية فيه، بعد عهد طويل من اصطراع القوى الأجنبية المجاورة على مقداراته، من قرة قوينليين واق فوينليين وعثمانيين. إلا أن هذا الاستقرار النسبي كان يتعرض، بين الفينة‌ والفينة‌ إلى هزات عنيفة، منها ما حدث عندما أعاد الصفويين احتلالهم البلاد في السنين 1.23- 1048هـ / 1622 - 1638م.  

وعلى الرغم من مخاطر الطرق بين مدن العراق والمدن الأخرى في الدولة العثمانية، فإن هذا العصر شهد قيام العراقيين نابهين برحلات طويلة، قطعوا فيها مسافات شاسعة، ليصلوا إلى مدن عربية أو أوربية، أو حتى أمريكية، ويصعب تفسير ذلك بعامل واحد، لان اختلاف أصول أولئك الرحالين كان سبباً في اختلاف دوافعهم للقيام بتلك الرحلات الشاقة. 

فبسبب تكون أول كنيسة كاثوليكية عراقية قوامها النساطرة الذين فضلوا الاتحاد مع روما، وترك معتقدهم القديمة، سافر عدد من العراقيين من أتباع هذه الكنيسة إلى روما، حيث كرسي البابوية، راكبين البحر، من احد الموانئ السورية، مارين ببلاد أوربية لم يطأوها من قبل، فكانت هذه الرحلات تمثل انفتاحاً مهماً على عوالم جديدة أكثر سعة من عالمهم الذين ألفوه، سرعان ما أدى إلى نتائج ذات شأن في كتابة التاريخ، وبالأخص تاريخ الكنيسة التي إليهم ينتمون، ومن أوائل من قصد روما لأغراض تتعلق بالعلاقات الكنسية، البطريرك يوحنان سولاقا، فقد سافر إلى أوربا، ووصل روما سنة ١٥٥٢ م، حيث أعلن اعتناقه الكثلكة، فعينه البابا بطريركاً في بلاده، إلا انه اغتيل في طريق عودته، وهزت هذه الرحلة المؤسفة مشاعر أحد أتباعه، وخليفته من بعده، وهو عبد يشوع بن يوحنا آل مارون (المتوفى سنة 979هـ / 1571م)، فكتب تفاصيلها من خلال عرضه لسيرة سولاقا نفسه، بوصفه (شهيد الاتحاد)، وبذا قدمت الرحلة الإطار الذي صبَّ فيه قصة البطريرك، منذ اغتياله. وكان هو قد قام برحلة مشابهة من حيث الطريق التي اتبعته، والغاية التي استهدفتها، وسفره إلى الغرب، ووصوله إلى روما سنة 1552 واعتناقه الكثلكة، وتعيينه بطريركاً على الكلدان   ثم رجوعه إلى ديار بكر، وما تعرض اليه من اضطهاد وسجن، انتهاءً باغتياله سنة 1555م، إلاّ أننا لا نملك دليلاً على تسجيله وقائع هذه الرحلة. 

وتجاوز عراقي مسيحي، هو الياس بن حنا الموصلي، كل مدى متصور لدى أهل ذلك العصر، حينما لم يكتف بالسفر بحراً، من بغداد، إلى الاسكندرونة ومنها إلى روما، وإنما انطلق في رحلة طويلة سنة 1668م إلى فرنسا واسبانيا، ومن هناك ركب البحر حتى وصل العالم الجديد، فمرَّ بأجزاء من بنما وكولومبيا وبيرو وبوليفية وشيلي ثم المكسيك، قبل أن يعود إلى روما ليعيش فيها السنين الأخيرة من حياته، حتى وفاته سنة 1962م. ولقد سجل هذا الرحالة في كتاب رحلته، الذي كتبه بالعربية، معلومات كثيرة، عن تاريخ انتشار الكثلكة في المدن التي مر بها في رحلته، ووصف المؤسسات الدينية فيها، وتطرق إلى الأحوال الاجتماعية والسياسية، فضلاً عن الطرق، ووصف المدن نفسها، وما تضمه من معالم مختلفة. وتدل وفرة ونسخ هذا الكتاب على مدى ما لقيته الرحلة من عناية الأوساط المسيحية في العراق، ومع أننا لا نملك تسجيلاً لرحلة أخرى إلى العالم الجديد، إلا أن رحلة الياس الموصلي كانت باعثاً لآخرين من أمثاله للسفر في رحلات طويلة إلى روما، ومدن أوربية شتى، وأتاح وجود هؤلاء في روما، الفرصة لهم لتفحص الوثائق الخاصة بتاريخ المسيحية، مما تحفظ به مكتبة الفاتيكان، فاستطاع يوسف بن جمعة آل معروف الكلداني الموصلي (توفي سنة 1119هـ / 1712م) أن يستخرج من مكنونات تلك الوثائق أخبار المجامع الكنسية مع قوانينها إلى زمانه. 

ونظراً للعلاقات القديمة التي تربط مسيحيي العراق ومسيحيي ساحل المَلبار في الهند، ومخاوف الكنيسة (الكلدانية) الجديدة من أن يؤدي انتشار الكثلكة بين مسيحيي الهند، إلى تبعيتها المباشرة إلى روما، فقد خشى البطاركة الكلدان من أن تفقد كنيستهم تأثيرها التاريخي على تلك المناطق، ومن هنا سعى عراقيون من أتباع هذه الكنيسة إلى تأليف كتب تثبت أن انتشار المسيحية في الهند لم يجر إلا بسبب جهود مسيحيي العراق أصلاً، وكان معينهم في هذه القضية العودة إلى التاريخ أيضاً، وسجل جورجيس الألقوشي (توفي سنة 1118هـــ / 1711م) اهتمامه المبكر بهذه القضية، حين كتب منظومة تاريخية تناول فيها أسفار مار توما إلى الهند، وتطرق من خلال ذلك إلى تاريخ النصارى في بلاد الهند.

وكان تعرض العراق إلى اعتداءات خارجية بين الحين وآخر، وما تخلفه تلك الحوادث من ذكريات الكفاح المشترك ضد الغزاة، يهز وجدان المثقف العراقي آنذاك، فسجل تلك الذكريات المجيدة في رسائل مستقلة، رغبة في نشرها وتخليدها. بل لجأ، أحيانا، إلى نظمها على شكل (أراجيز) مطولة ليمكن الأجيال التالية من استذكارها. وفي الواقع فإن استخدام الرجز في تسجيل ما يراد حفظه لم يكن إلا أحد الوسائل التعليمية المتبعة لدى فئة (العلماء)، إلا أن الجديد هنا هو استخدام هذه الوسيلة لأغراض تاريخية بحته، ولعل ابرز تلك الرسائل والأراجيز، ما كتبه الكتاب العراقيون في تسجيل حوادث غزو نادر شاه للعراق سنة 1147هــ /1734 هــ وسنة 1156هــ / 1743، فكتب هرمز الصائغ الموصلي (نبذة تاريخية عن حصار نادر شاه لمدينة كركوك سنة 1734)  

وأدت ظاهرة التذبذب المستمر في مستوى هطول الأمطار بين موسم وآخر، مما كانت تتعرض له الموصل وإقليم الجزيرة، مع التوالي قدوم الجراد من الصحراء المجاورة، وما يسببه من تلف الحاصل، وما كانت تتعرض له المدن من آثار الأوبئة الوافدة، وبخاصة الطاعون، إلى شد انتباه بعض المؤرخين إلى تلك الظواهر المتكررة، بوصفها تمثل (تاريخاً طبيعياً) موازياً للتاريخ العام من ذلك أن كتب إسرائيل الألقوشي منظومة مطولة سرد فيها الحوادث التي جرت في سنة 2000 يونانية (1689م) في نواحي بلدة ألقوش، من جوع وقحط، وردت في مخطوطة غير مؤرخة، لكنها ترجع إلى القرن التاسع عشر. وكتب بولس بن عبد العزيز (كان حياً سنة 1172 هــ / 1758م) أخبار جملة من الكوارث التي حلت ببلدته ألقوش، سنة 1756م، مثل الوباء والبرد الشديد وما أدّيا إليه من ارتفاع حاد بالأسعار .

كان انتشار الكثلكة بين المنتمين إلى الكنائس المحلية القديمة، ونشوء صلات روحية وإدارية جديدة بين أتباع الكنائس الكاثوليكية الجديدة وبين روما، قد زاد من دوافع سفر رجال هذه الكنائس إلى مقر البابوية في هذه المدينة، فكان ذلك سبباً مضافاً لنمو أدب الرحلات، ممتزجاً بكثير ما يكتنف هذا الأدب من جوانب وملاحظات تاريخية عدة. من ذلك مثلاً قيام خِدر بن الياس هرمز الموصلي الكلداني (المتوفي 1169هــ / 1755م) برحلة طويلة إلى روما سنة 1725م، تضمنت جانباً من مذكراته الشخصية، التي وصف فيها ظروف اعتناقه الكثلكة وما عانى من أجلها من اضطهاد. ولقد نشطت تلك الكتابات رغبة كل فريق كتابة تاريخ الكنيسة التي إليها ينتمون، فكتب القس خِدر نفسه، في محاولة مبكرة، تاريخاً كنسياً موجزاً . ولما كانت قضية تأرجح تبعية مسيحيي الهند بين الكنيسة الكلدانية في العراق،إتباعا للتقليد القديم، والكنيسة الرومانية، مازال يمثل جرحاً حقيقياً للزعامة الكلدانية، فقد انبرى مؤرخون من أتباع هذه الكنيسة لتتبع العلاقات التاريخية بين كنيستهم وجماعة مسيحيي الهند، فكتب القس كيوركيس بن إسرائيل هرمز بن إسرائيل الكبير (كان حياً 1144هــ / 1731م)، منظومة مطولة في وصف تأسيس تلك الجماعة على يد مار توما المسمى رسول الهند . وحينما انقسم كاثوليك الموصل بين متمسك بالتقاليد القديمة، ونابذ لها، كتب كيوركيس الصائغ (كان حيا سنة 1219 هـ / 1804م) رسالة هاجم فيه من سماهم (حزب المستأصلين) ودعا فيها إلى التمسك ما هو موروث عن الآباء، وقد أستند في رده على تاريخ انتشار الكثلكة في الشرق، ومظاهر هذا الانتشار، من الجوانب الفكرية والاجتماعية، وعلاقة ذلك كله بالأوضاع السياسية السائدة عهد ذاك . 

وشهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع العشر تطوراً مهماً في مجال العناية بالتاريخ، فمهاً وكتابة، وذلك بسبب إدخال مادة (التاريخ) لأول مرة في مناهج الدراسة على المستويات كافة، بوصفه من ثمار حركة إنشاء المدارس الحديثة التي قامت بها (نظارة المعارف) العثمانية بعد استحداثها سنة 1847، وبعض البعثات الأجنبية العاملة في القطر، فمنذ سنة 1870 عُدّت هذه المادة أساسية في مناهج الدراسة الرشدية (المتوسطة) لسنواتها الثلاث، وعدت كذلك في مناهج الدراسة الإعدادية سنة 1873 بسنواتها الأربع، بل أدخلت مادة (التاريخ الإسلامي) في المدارس الرُّشدية العسكرية منذ تأسيسها سنة 1870، وفي المدرسة الإعدادية العسكرية بعد ذلك بتسع سنين، وفي مدرسة الصنائع، وهي أول مدرسة صناعية في القطر، سنة 1871. 

وساهمت البعثات الدينية المسيحية في هذه الحركة، فكان التاريخ مادة أساسية تدرسها مدرسة الآباء الدومنيكان في الموصل منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكان تأسيس الدومنيكان مطبعتهم سبباً في طبع عدد كبير من الكتب التاريخية المدرسية المهمة، تُرجم بعضها عن الفرنسية واللاتينية، بينما ألف بعضها الآخر مؤلفون عراقيون، وترددت موضوعاتها بين التاريخ الكَنَسي المحض لأغراض التعلم الديني، وتاريخ العالم القديم، وتاريخ العصور الوسطى الأوربية، وهي موضوعات تجمعها جِدّتُها للقارئ المعني بدراسة التاريخ في تلك الحقبة، فترجم اقليميس يوسف داود الموصلي (المتوفي 1890) (مختصر تواريخ الكنيسة) للمعلم لومون، وهو كتاب ضخم في التاريخ الديني، ثم اختصره (الموصل 1873و 1877)، وترجم جرجس عبد يشوع خياط (المتوفي 1899) كتاباً في الموضوع نفسه لبيلمز عنوانه (الفصول الأُنسية في تواريخ القدسية) (الموصل 1868و 1876)، وقام عبد الأحد بن الياس الموصلي بترجمة كتاب آخر سماه (المنتخبات الكنيسية في السيرة القدسية) (خمسة مجلدات، الموصل 1898- 1900و 1902و 1903). ولتعلق التاريخ القديم بمباحث (العهد القديم) فقد تمت ترجمة، أو وضع عدد من الكتب المدرسية المختصرة لهذه الغاية، منها (مختصر التاريخ القديم) (الموصل 1895) و(مختصر التاريخ المقدس) (الموصل 1913) و(مختصر تاريخ العهد القديم) (الموصل 1895) و(مختصر صغير في التواريخ المقدسة) (الموصل 1909)، وقد وجدت هذه الكتب، عن طريق إعادة طبعها المستمر، طريقها إلى مدارس دينية عديدة، بل إلى خزائن كتب مثقفين متنوعي الثقافة.

وكان للخلافات العقائدية والطقسية التي شبتَّ بين نصارى القرن التاسع عشر بسبب انتشار الكثلكة بين ظهرانيهم، وما لقيه انتشارها من مقاومة أتباع المذهبين التقليديين في العراق: النسطورية، واليعقوبية (الآرثذُكسية) أثر بارز في قيام عدد من رجال الدين بتأليف كتب متنوعة تتناول تواريخ طوائفهم، وما عاناه أتباعها من أهوال في سبيل العقيدة، وأخبار من استشهد من أجلها، فكتب اقليميس يوسف داود كتاباً ضخماً في (سيرة القديسين) (الموصل 1873- 1890) ومختصراً (لتاريخ الطائفة السريانية الكاثوليكية) وتاريخاً عاماً للسريان. ووَضَع جرجس عبد يشوع خياط كتاباً باللاتينية بحث فيه تاريخ صلات السريان المشاركة بالكرسي البابوي (روما 1870) وكتاباً آخر في (تواريخ المشارقة الكلدان) أتمه فيما بعد القس بطرس نصري في كتابٍ عنونه (ذخيرة الأذهان في تواريخ المشارقة والمغاربة السريان) (الموصل 1913). وبحث أسقُف موصلي، هو (أدَّي شير) في تاريخ انتشار المسيحية في بلاد ما بين النهرين وتتبع تراجم شهدائها في كتابه (سِيرَ أشهر شهداء المشرق القديسين) (جزءان، الموصل 1900، 1906)، ووضع كتاباً مهماً في تاريخ الكلدان والآشوريين حتى ظهور المسيحية، ثم تاريخ المسيحية حتى منتصف القرن السابع الميلادي، سماه (تاريخ كِلدُو وآثور) (بيروت 1912و 1913) ووضع كتاباً آخر في تراجم المؤلفين السريان، يبدو أنه ببيلوغرافيا في أعمالهم، سماه (جنَّة المؤلفين)، وهو يشبه ما قام به معاصر له، هو شموئيل جميل (المتوفي سنة 1336هـ / 1917م)، حين عُني بنشر كتاب جامع المؤلفين حسب جدول عبد يشوع الصوباوي، ولكنه أضاف إليه أسماء المؤلفين الذين نقل عنهم الصوباوي8 . وكتب اغناطيوس أفرام رَحماني، وهو من تلاميذ الدومنيكان النابهين، كتاباً في تاريخ الطائفة السريانية الكاثوليكية وعلمائها وطقسها9. وكتباً متنوعة في سير القديسين بالعربية والسريانية والفرنسية. وأرخ عبد الأحد بن الياس لأبرشيات بغداد السريانية، وترجم عن الفرنسية بعض السير لأغراض وعظية10 . وتناول البطريرك اغناطيوس بهنام بن عبد الكريم بن بني ( المتوفي 1315هـ / 1897م ) تاريخ الكنائس الشرقية، وأسباب الانشقاقات التي مرت بها، وحاول أن يفسر أسباب تلك الانشقاقات، من وجهة نظر كاثوليكية بالطبع، في كتابه ( الدرة النفيسة في بيان حقيقة الكنيسة) الذي طبعه في الموصل 1867 11. ووضع مؤرخ، غير معروف، تاريخاً ضخما للكنيسة، يقع في مجلدين، تناول فيها أخبارها حتى أواخر القرن السادس للميلاد، يظهر انه حذا فيه حذو كتب التاريخ الكنسي التي شاعت ترجمتها، أو تأليفها، في هذا العدد12.

وكان شموئيل جميل،قد كتب مباحث متنوعة في تاريخ الكنيسة، وتاريخ انتشار المعتقدات المسحية في الشرق، وسِيَر رواد الكنيسة في البلاد الشرقية، فبحث في سيرة أحد أساقفة مدينة ميافارقين، إحدى مدن بلاد الجزيرة، وتناول علاقة الكنيسة بالساسانيين، وتاريخ المذهب النسطوري ودخوله بلدان الشرق، ثم في علاقة الكنيسة الكلدانية بالكرسي البابوي، مستفيداً في مثل هذه البحوث من معرفة واسعة باللغات الشرقية والأوربية، وما أتيح له من فرص في الإطلاع على مكنونات مكتبات الأديرة، وأرشيف الفاتيكان الحافل بوثائق الكنائس الشرقية التي ارتبطت به. وكتب راهب كلداني، هو إلياس شِير (المتوفي سنة 1369هـ /1949) كتابا سماه (الرُّعاة) تناول فيه تواريخ الأبرشيات الكلدانية، بالسريانية، معتمداً على وثائق تلك الأبرشيات أولاً، وعلى المصادر المسيحية القديمة، فتطرق تاريخ تأسيس كل أبرشية منها، ورؤسائها، ثم عَرَّج، بنحو خاص، على ظروف اتصالها بالكرسي البابوي، بعد انتشار الكثلكة في الشرق، ثم علاقتها بالأبرشيات الأخرى،وبالحكام المجاورين13. 

وظلت مشكلة تبعية مسيحي المَلَبار قائمة بين الكنيسة الكلدانية، والكنيسة الرومانية، وقد وجد بعض الكتاب ضرورةً في تقديم صورة تاريخية لتاريخ هذه المشكلة، فكتب يوسف بن عيسى الخياط بن موسى الطويل البغدادي (كان حياً سنة 1274هـ/1858م)، كتابه الذي سماه (نبذة قديمة الآثار في أخبار كلدان مَلبار). وتناول فيه تاريخ انتشار المسيحية في الهند، وأوضح ظروف النزاع الذي حصل بين الكنيستين ، بشأن السيادة الدينية على كنيسة مَلبار الكلدانية هناك، ملتزماً بوجهة النظر الكلدانية العراقية، معتمداً على مصادرها ووثائقها بالدرجة الأولى.

وكان التقارب الجغرافي، بل التداخل أحياناً، بين قرى المسيحيين في جوار الموصل، وقرى اليزيدية ومعابدهم، في سنجار والشيخان، قد أدى إلى أن تلفت هذه الطائفة، بمعتقداتها وشعائرها، انتباه المؤرخين في القرن التاسع عشر، فحاولوا سَبر حقيقة تكونها، وما طرأ عليها من أحوال، وماهية كتبها المقدسة، من ذلك أن قس، من أهل قرية ألقوش، رسالة عن الشيخ عادي (وهو عدي بن مسافر).14 ، ووضع داود بن اسحق الموصلي رسالة مهمة في تاريخ هذه الديانة، استقى بعض مادتها التاريخية من أحد شيوخها المطلعين، كما أنه نشر نصوصاً من كتبهم المقدسة لم يسبق أن نُشرت في العراق من قبل. وكتب أنستاس ماري الكرملي في تاريخ اليزيدية بحثاً مستفيضاً في كتاب نشره مسلسلاً في مجلة المشرق البيروتية سنة 1899م تناول التعريف بهم، واعتقاداتهم الدينية، وعاداتهم الاجتماعية، وأقسام قبائلهم، وتاريخ أحوالهم. وكتب بهنام بدرية، وهو رجل دين مسيحي(توفي سنة 1924م)مذكراته الشخصية، فأتى فيها على حوادث تخص الموصل وقرارها، ومنها ما يتعلق بتاريخ اليزيدية 15 .

واستجابة لإحساس متعاظم بأهمية كتب التراث في فهم تاريخ الأمة وتحديد مكانتها بين الأمم، وبخاصة ما يتمثل بالآلف المخطوطات التي تزخر بها خزائن كتب المدن العراقية آنذاك، فقد شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر مولد معرفة جديدة هي (فهرسة المخطوطات) والتعرف بها. ولعل أول محاولة معروفة في هذا المجال، هي ما قام به عالم بغداد وأديبها السيد نعمان خير الدين بن محمود الآلوسي البغدادي (المتوفى 1899) في كتابه الذي عنوانه (فهرست مكاتب بغداد الموقوفة) ( سنة 1878) وتناول فيه فهرسة عشر خزانات حافلة بالكتب كانت ملحقة ببعض مساجد بغداد ومدارسها المهمة, وميز في عمله هذا بين ما هو مخطوط وما هو مطبوع، وذكر ـ غالباً ـ نوع الخط وما إذا كان بخط مؤلفه، وتاريخ النسخ، واسم الناسخ إن وجد، وما يتميز به المخطوط من شروح 16. ووضع المطران أدي شير (المتوفى 1915) عدة فهارس بالفرنسية للمخطوطات العربية والسريانية في سعرد (الموصل 1905) وماردين (باريس 1907) ونوتردام (باريس 1906) وبطريركية الموصل (باريس 1907) ومتحف بورجيا (باريس 1909)17.

ومن ابرز مظاهر تزايد العناية بخزائن الكتب وما تحتجنه من مخطوطات، أن تولى نفر من المؤرخين العراقيين، لأول مرة، نشر عدد من المخطوطات التاريخية، لتضاف مصادر جديدة إلى جملة المصادر التاريخية المعروفة آنذاك، ولتدخل فنا جديدا والى مجال البحث التاريخي، هو (تحقيق النصوص) الذي سوف يشهد تقدماً محسوساً في الحقب اللاحقة. فعني اقليميس يوسف داود الموصلي بمخطوطة (فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء) لأحمد بن محمد ابن عربشاه (المتوفى 854 هــ / 1450م) فحققها ونشرها بطبعتين (الموصل 1869 و 1876)، وعثر المطران أدي شير على مخطوطة فريدة في سعرد لمؤلف نسطوري من أبناء القرن الثالث عشر الميلادي، فحققها ونشرها بعنوان (التاريخ السعردي) وأرفقها بترجمة فرنسية، واهتم الأب أنستاس ماري الكرملي برحلة قام بها بغدادي، هو ميخا يوسف النجار، إلى اليمين سنة 1861، فترجمها إلى الفرنسية ونشرها في مجلة أنثروبوس الصادرة في فينا، ثم أفردها في رسالة مستقلة سنة 1909 18. ومع أن الكتابة في تاريخ المدينة بدأت واضحة في القرن الثامن عشر,في أعمال ياسين وأخيه أمين العُمريين، وعبد الرحمن السويدي، ومحمد صالح بن يحيى العباسي، وغيرهم، إلاَّ أنها تميزت في هذه الحقبة بأمرين أساسين، أحداهما أن تاريخ بغداد  أصبح يعني،تدريجياً، وفي مناسبات متعددة، تاريخياً للعراق بأكمله، أو معظمه، وهو أمر أدى إليه الإحساس بتعاظم أهمية هذه المدينة وتحول مركز الثقل في العراق إليها بعد فترة من تعدد مراكزه، فشمل تاريخ بغداد تواريخ مدن عديدة ذوات ماضٍ عريق، مثل الحلة والنجف وكربلاء والعمارة وبعقوبا وسامراء وغيرها بصفتها أعمالاً لها.

فمن تلك الكتابات التي ألفها المؤرخون العراقيون المسيحيون ما كتبه شيحا(كان حياً1326هـ/1908م) في (ولاية بغداد)(بالفرنسية)ونابليون الماريني (المتوفي 1344هـ/1925م) في (تنزه العباد في مدينة بغداد) وأنستاس ماري الكرملي في (الفوز بالمرادفي تاريخ البلاد).  ولم تعدم مدن أخرى تواريخ خاصة بها. فكتب أدَّى شير (تاريخ كركوك) 19، كما كتب مؤرخ آخر حوادث قرية قَرَه قُوش، في شرقي الموصل،حوادث قريته في الربع الأول من القرن التاسع عشر،وأكثرهم حوادث الغلاء والوباء وغزو بعض القبائل، معبراً بذلك عن اهتمامات سكان القرية، ومعظمهم مزارعون،في ذلك العهد 20، وهي ظاهرة جديدة،إذ لم مألوفاً أن تشغل تلك النواحي،ومنها ما يقرب أن يكون قرى، ذهن مؤرخي العراق في العهود الماضية، الذي استأثرت فيها المدن الكبيرة،دون غيرها، بعناية المؤرخين.

ولفتت الظاهرة الطبيعية، لا سيما حين تترك آثارها على الحياة الاقتصادية، انتباه بعض المؤرخين،صحيح أن هذه الظاهرة كانت قد لفتت أنظار مؤرخين في الحقب السابقة،فسجلوا ارتفاع الأسعار أحياناً، إلاّ أن الجديد في هذه الحقبة هو محاولة بعضهم تفسير ظاهرة الغلاء، وسَبْر أسبابها الطبيعية والبشرية،وبيان الأسعار مقارنة مع الحالات العادية التي تنخفض بها الأسعار عادةً. فكتب أوراهم شكوانا الألقوشي( المتوفي سنة 1341هـ/1930م) نبذة تحدث فيها عن صعوبات سنة 1906 من البرد القارص وانجماد الينابيع والأنهار وغير ذلك.

وكان لما شهدته الحياة العامة في العراق،منذ منتصف القرن التاسع عشر، من تنامِ واضح في وعيه وتحسس ملموس لجذوره المتميزة،أثره البارز، في تجاوز اهتمامات بعض المؤرخين الأطر التقليدية للمدينة،أو القبيلة، أو الأقاليم، إلى كتابة تاريخ الأمة ذاتها، وكان ظهور أولى المحاولات الجادة لكتابة تاريخ العرب، بوصفهم أمة قائمة بنفسها، لها خصائصها النوعية، وشخصيتها المستقلة، وفي الاتجاه نفسه كتب أنستاس ماري الكرملي مباحث شتى تناولت تاريخ العرب قبل الإسلام، أديانهم ، أصنامهم، معبوداتهم المجهولة، كعبتهم،علاقات جزيرة العرب ببلاد الرافدين، معتقادتهم الأسطورية، تجارتهم،ملاهيهم، الأقوام التي أقامت بين ظهرانيهم، قبائلهم المُتنصرة، وما إلى ذلك من شؤون21، إلاّ أن هذه المباحث،  على أهميتها،  تفرقت في مجلات، أو ضمَّتها مخطوطات كتبها، فلم يفكر أن يجعل منها كتاباً كما فعل الآلوسي 

ولقد حالت ظروف اجتماعية وثقافية متنوعة دون إغناء أعمال المؤرخين العراقيين في هذه الحقبة بالمعلومات المستمدة من علم الآثار،والاستفادة من نتائجه لما ينشر في هذا المجال بسبب ندرة الملمين بلغتها الأوربية، واعتماد أسلوب السَّرَّية والتهرب في عمل معظم البعثات التنقيبية الأجنبية، ومن ثَمَّ عدم اطلاع الجمهور على نتائج أعمالها تلك، وإذا ما استثنينا جهود هرمزد رسام (المتوفي 1330هـ/1911م) الآثارية في نهاية القرن التاسع عشر، وهي جهود كانت في معظمها تصب في مجال التنقيب عن الآثار البابلية والآشورية،وإرسال أو تهريب الآثار إلى المتحف البريطاني، فإن اهتمامات المؤرخين ظلت بعيدة عن هذا العلم، إلاَّ في نطاق ضيق، انحصر في دراسة معالم المدن الشاخصة، وبخاصة المساجد والتكايا والسِقايات والمدارس، وتسجيل ما عليها من كتابات أثرية قديمة.

وأفراد حبيب شيحا فصلاً من كتابه (ولاية بغداد)في وصف أثار بغداد القديمة، كالمساجد والأسوار وغيرها.

وسعى أنستاس ماري الكرملي إلى توجيه الأنظار إلى ما يضمه العراق من آثار ترقى إلى عصور مختلفة، قديمة، وإسلامية، فوصف جملة منها مما تضمه بغداد، أو مدن عراقية أخرى، وعرَّف بها، وحاول تتبع تاريخها،أو تفسير هويتها في الأقل، فكان أن كتب عن حصن الأُخَيْضِر الأثري في صحراء كربلاء، وقدم تفسيراً لوجوده، وعن بلدة شَفاثا قُربه، والواردة أخبارها في الفتوح الإسلامية، وبحث في مشهد الكِفل، ووصفه، وتحدث عن مئذنته الأثرية، وفي زقُّورة عَقَرقُوف، في الشمال الغربي من بغداد، وفي إيوان المدائن، في جنوبها، بل أنه بحث في مدينة الوركاء القديمة قرب مدينة الناصرية، وتناول أخبار قلعة(الخَرنيني) الداثرة قرب تكريت، وحاول أن يقدم تفسيراً تاريخياً لوجود بقايا مسناة قديمة في دجلة في الشاطئ الغربي من بغداد، يُسمَّى(السَّن)، ووصف آثار سامراء العباسية، ومنها قصر المعشوق والكُوَير وبلكوارا، كما وصف مشهد الشمس في دجلة، وبحث في بقايا المدرسة المستنصرية الأثرية كما كانت في عهده، فكانت كتاباته تلك، في معظمها، جديدة لدى قراء ذلك العهد، في موضوعها، وأدت من ثم إلى لفت أنظار المثقفين إلى ضرورة أن لا تغفل كتب التاريخ عن استقراء المعالم الشاخصة، ولا تقف عند حدود ما تقدمه المصادر التاريخية التقليدية، وأدت مجلته(لغة العرب) دوراً مهما في تشجيع عدد من المثقفين الشبان للقيام برحلات علمية إلى مدن قديمة في العراق، ضمت آثاراً شاخصة، أو إلى أطلال مدن داثرة، فوضع هؤلاء رسائل مهمة في وصف مواقع أثرية وصفاً علمياً لا شك في أن الكرملي كان يتدخل في صياغته وتبويبه، وكان ينشر ما يراه حسناً في مجلته. فمن ذلك ما قام به إبراهيم حلمي العمر، وكان يومذاك طالباً في الإعدادية الملكية، من رحلات علمية إلى أطلال سامراء العباسية، وصف فيها قصورها الشاخصة وجامعها الكبير وأسوارها وبعض معالمها الظاهرة، وتناول تاريخها في تلك العصور، وأسباب خرابها، كما عرج إلى وصف مدينة سامراء كما بدت في عهده، وأرخ لنشوئها وما تضمه من آثار دينية ومعمارية متميزة. وقام كاظم الدجيلي، الذي كان يتولى إدارة المجلة، برحلة أخرى، بتشجيع مباشر من الكرملي، إلى موقع أثري خال من العمران، يدعى طعيريزات، قرب النجف، فكتب عن تاريخه وما يضمه من آثار. والمهم أنه لم يقتصر في معلوماته على مشاهداته الميدانية وما كان يستقيه من المصادر المألوفة، وإنما أظهر اطلاعاً حسناً على كتب وضعها منقبون ألملن كشفوا فيها نتائج أعمالهم الأثرية 22, بل ربطت صلة علمية بينه وبين المنقب الألماني هرتسفيلد، قوامها حوار وتبادل رأي حول بعض المعالم الأثرية في العراق23. ومثله ما فعله عمانوئيل مضبوط، حين كتب وصفاً تاريخياً لرحلة قام بها إلى كربلاء والحلة، فتناول فيها المعالم الأثرية من الخانات القديمة التي مر بها في أثناء رحلته هذه، فضلاً عن وصفه هاتين المدينتين وما ضمته من معالم وآثار24.  

وعمد الكرملي إلى نشر أخبار البعثات التنقيبية العاملة في العراق يومذاك، وما كان يصدر عنها من نشريات، فلفت نظر الباحثين إلى أهمية ما كان يقوم به منقبون أوربيون أمثال هرتسفيلدHerzfeld  وساره Sarre وفيولهViollet ، من أعمال من شأنها الكشف عن جوانب خفية من تاريخ العراق، كما كان ينشر تعريفات موجزة بأعمال مؤتمرات المستشرقين، بل ترجمات لمقالات كتبها مستشرقين وآثاريون أوربيون.

وامتد الاهتمام بالآثار ووصفها، تدريجياً، إلى كتب الحالين والسياح من العراقيين الذين كانت ظروفهم تضطرهم إلى التجوال في نواحٍ مختلفة، والانتقال إلى مدن متعددة، وكان بعض الرهبان قد عني،بتسجيل وقائع رحلات قاموا بها بين أديرة شتى، كانت طبيعة حياتهم النسكية تتطلبها، مستغلين تخففهم من أعباء الحياة اليومية العادية، فجمع شموئيل جميل (المتوفي 1336هـ/1917م) وقائع رحلاته العديدة في كتاب يروي أسفاره ورحلاته في الجبال الشمالية من العراق، ومنها رحلته إلى جبال الهكارية سنة 1855 25 . وكتب الأب أنستاس ماري الكرملي(المتوفي سنة 1947م)، وقائع رحلة من بغداد إلى بيروت، قام بها سنة 1886م، فوصف مراحل الطريق ومتاعبه، ومن التقى بهم في أثنائه، والقطعة التي وصلت إلينا من هذه الرحلة توضح أنها أشبه أن تكون بيوميات، ولكن أهميتها تتجلى في ملاحظات صاحبها التاريخية بشأن ما كان يمر بها من مراحل الرحلة. وعني المطران قُورلُّس بولس دانيال(المتوفي سنة 1335هـ/1916م) بتدوين وقائع رحلاته العديدة إلى مدن العراق والجزيرة حيث يمتد نفوذ كنيسته، مثل الموصل وبغداد وماردين وديار بكر، ثم إلى مدن وأصقاع أخرى،منها بيروت ودمشق والهند،لأمور تقتضيها مهامه الدينية، ومفهوم أن دوافع هذه الرحلات كانت دينية تماماً، فمن المعقول أنها تضمنت أحوال الكنائس في تلك المدن، ووصف الأديرة فيها، وعلاقتها بالكرسي البابوي، وكل ذلك يدخل في حقل الكتابة في التاريخ والإطلاع على مصادره 26.

ولم يقتصر البحث في الأسر على المؤرخين المسلمين فحسب، وإنما عني بعض المؤرخين من غيرهم بهذا المجال من المعرفة التاريخية، فكتب نرسيس صائغيان (المتوفي سنة 1953) عدداً من البحوث عن أسر أرمنية ذات شأن عاشت في بغداد في حقب من العصر العثماني .وقد أعتمد في تتبعه لأبنائها على كم من الوثائق، منها مصدر جديد، هو سجلات العماذ التي تضم معلومات دقيقة عن الأسر المسيحية، بحكم ما يسجله راعيها عند( التعميد) وتحتفظ بها الكنائس عادة.

أن فن (التراجم الأدبية) لم يلبث ان شهد تطورا ملحوظا منذ بداية القرن العشرين، فاختصرت النماذج الشعرية والقطع النثرية، وجرى التأكيد بدلها، على المعلومات المادية عن حياة المترجم، وزيدت العناية بتسمية مصنفاته، وتواريخ مراحل حياته وكتب الكرملي نفسه، كتاباً كبيراً في تراجم عراقيين عصريين، ضم إليهم عدداً من تراجم " مشاهير العرب ".

وشهدت السنين الأخيرة من العصر العثماني، مرحلة جديدة في تطور فن السيرة، أو في تطور موضوعها في الاقل، أولى المحاولات في كتابة السيرة السياسية، التي لا تتصل بالنشاطات الدينية أو الادبية لأصحابها، وإنما بدورهم السياسي في الحياة العامة. 

من ذلك أن كتب داود صليوا (المتوفى سنة 1340 هـ / 1921م)، وهو صحفي له صلات بمثقفين عرب خارج وطنه، رسالة مستقلة في ترجمة ناظم باشا، أحد ولاة بغداد المصلحين، سماها (المحاق في ترجمة شهيد الإصلاح ناظم عِقد العراق)، وشهدت السنين الأخيرة للعصر العثماني في العراق، أولى اهتمامات المؤرخين العراقيين بما هو خارج عن نطاق التاريخ المحلي

 

ونظير هذا ما صنعه كاهن من ألقوش، هو إسرائيل أودو (المتوفى سنة 1941م)، قُدَّر له أن يعين أسقفاً على ماردين في بدايات الحرب، فيشاهد عن كثب، وقائعها، فيدرن تاريخ وقائع الحرب العالمية الأولى يوماً بيوم، على طريقة اليوميات، إلاّ أنه فضل أن يكون تدوينه لها شعراً احياناً، مما دل على تأثره بالأدب الكَنَسي الذي اعتاد على تسجيل الحوادث على شكل ( ميامر) و( عونيتات) وهي أناشيد تُتلى في الكنائس27.

وكمحصلة أخيرة، فإن عدد المؤرخين العراقيين الذين برزوا في خلال هذه الحقبة بلغ 184 مؤرخاً، وكانت حصيلة نتاجاتهم التاريخية 591 كتاباً. ويبلغ عدد الكتب بالتركية 33، وبالكردية 3، وبالسريانية 8، وبالفرنسية 19 وباللاتينية 3 وبالايطالية 4 وبالانكليزية 1، بمعنى أن ما كتب بغير العربية يصل الى 71 كتاباً، أي نحو ربع العدد الكلي، وهي نسبة عالية، يشغل معظمها ما كتبه المؤرخون المسيحيون باللغات الأوربية التي تعلموها، وليس بالسريانية، لغتهم الأم.