..............ابحاث ودراسات.....................

الادب السرياني الدنيوي

د. سبستيان بروك

ترجمة :مركز الدراسات والأبحاث المشرقية /لبنان

 التمييز الحادّ الذي يقيمه العالَم الغربيّ الحديث بين ماهو دنيويّ ودينيّ غير قابل للتطبيق  في حالة الأدب السرياني ( وكذلك في العديد من الآداب السابقة للعصر الحديث ) ؛ إنّما الأمر أشبه بخط ّ متّصل بين   قطبين . وبالتالي ، فإنّ هذا التمييز يتناول لونًا أدبيًّا غير دينيّ بصفة خاصّة ، مادمتُ لم أتناوله في أيّ بحث آخر .
     (( قصة أحيقار )) هي المثال الوحيد الباقي في الأدب الآرامي، السابق للمسيحيّة والواصل إلينا    بالسريانيّة، ومن هنا أهّمّيتها الخاصّة . توجد بالسريانيّة نسخ للقصّة تختلف قليلا ً عن بعضها بعضاً، غير أنّ الخطوط العريضة تظلّ كما هي .
تعود هذه الرواية الممتعة للقرن السادس ق.م . على الأقلّ ، وتحكي قصّة أحيقار ،( الحكيم الآراميّ ) ومستشار الملك الأشوريّ سنحاريب . أحيقار نفسه هو الراوي : لّما عجز عن إنجاب طفل ، تبنّى ابن أخته نادان ، آملا ً أن يخلفه في البلاط الملكيّ عندما يحين الأوان . وتمثّل تأديب نادان في سلاسل طويلة من الإرشادات ذات الطابع الأخلاقي ، كما يلي :
( إي بنيّ ، خير لك أن تؤسّس صيتاً حسنا ً لنفسك من أن تتزيّن بجميل الثياب . الجمال زائل ، أمّا الصيت الحسن فباقٍ  إلى الأبد ) .
( إي بنيّ ، نقل الحجارة مع رجل حكيم أفضل من شرب الخمر مع رجل أحمق ).
وحالما يُعيَّن نادان في القصر ، لا يُعير إرشادات أحيقار أيّ اهتمام ويبدأ يستبد بخدّام خاله وأملاكه . وحين يوبّخه أحيقار ، يقرّر نادان التخلّص من خاله باتّهامه بالخيانة العظمى . ولكي يتأتّى له ذلك ، يزوّر خطابين إلى ملكي عيلام ومصر اللذين كانا من أعداء سنحاريب ، موهماً بأنّهما من أحيقار الذي يدعوهما إلى القدوم وملاقاته في موضع معّين ، بحيث (يستوليان على مملكة أشور بدون حرب). ثم يزوّر نادان في الوقت نفسه خطابًا آخر يوجّهه هذه المرّة إلى أحيقار زاعما ً أنّه من عند سنحاريب الذي يوصى أحيقارَ بحشد جيش في بقعة معيّنة، وبأن يصطفّوا للقتال حالما يرون سنحاريب قادماً، لإظهار مدى قوّتهم عندما يصل سفراء الملكين المعاديين .
تنجح مؤامرة نادان فيأمر سنحاريب بقتل أحيقار جزاء خيانته . لكنّ هذا يتدبّر الأمر مع صديق له ، فيتم ّ إعدام عبده عوضا ً عنه ، أمّا هو فيختبئ بعيدا ً .  فور سماع فرعون مصر بنبأ وفاة أحيقار الحكيم مستشار سنحاريب ، يبعث بخطاب إلى ملك أشور طالبا ً فيه إرسال مهندس لتشييد قصر في الهواء ، بين السماء والأرض ؛ ومكافأة ً على ذلك يَعد فرعون بتقديم ما يعادل ثلاث سنوات من دخل مصر ، أمّا إذا عجز سنحاريب عن تقديم هذا المعماريّ ، فسيتعين عليه دفع جزية مماثلة لمصر . وإذ يحار سنحاريب ، يرثي حاله قائلا ً: (أسفي عليك ، ياأحيقار الحكيم ، لأنّي أهلكتك بسبب كلام غلام ). عندما يكشف صديق أحيقار للملك أنّ أحيقار حيّ يرزق . أُخبر أحيقار بالمشكلة ، فوعد بحلّها . وقد نجح في ذلك بجعل نسرين يحملان غلامين عاليا ً في الجوّ ، بعد أن لقنّ الغلامين أن يصيحا : (( هاتوا للبنّائين طينا ًوملاطا ً وآجُرّا ً وطوبا ً ، لأنّهم واقفون عاطلين )) . ثم يُهزَم فرعون حين يعجز عن توفير موادّ البناء  للغلامين في وسط الجوّ ، لكنّه يرفض الاستسلام ويطرح على أحيقار سلسلة من الألغاز ليحلّها ومهامَّ أخرى ليؤدّيها . فكانت المهمّة الأخيرة أن (( أمر الملك (الفرعون ) بإحضار حجر رحى علويّاً مكسورا ً إليّ ، وقال لي : (( يا أحيقار ، خِط لنا حجر الرحى المكسور هذا )). فذهبت وأحضرت الجزء السفليّ من حجر رحى ووضعته أمام الملك وقلت : يامولاي الملك ، أنا أجنبيّ هنا ولست أحمل معي آلات صنعتي، فهلا أمرت الإسكافيّين بتقطيع شرائط من حجر الرحى السفليّ هذا ، فهو قرين الحجر العلويّ ، فأخيطه في الحال ؟)).
عند سماع ذلك ، ضحك الملك وقال ((تبارك اليوم الذي وُلِد فيه أحيقار من لدن إله مصر . ولأنّي أبصرتك حيّا ً ، سأجعل هذا يوما ً خاصّا ً بوليمة )) . ثم أعطاني جزية ثلاث سنوات من مصر ، فعدت في الحال إلى سيّدي سنحاريب الملك )).
وما إن عاد أحيقار إلى بلاط سنحاريب حتّى وضع نادان في الحديد . وتنتهي الرواية بإسماع نادان سلسلة مطوّلة من الأقوال المأثورة ، مثل :
(( أي بنّي ، قد كنت مثل الرجل الذي رأى صاحبه يرتعش من البرد ، فأخذ جرّة ماء وسكبها عليه )).
عرفت (( قصّة أحيقار )) شهرة شعبيّة على مرّ العصور . ففي العهد الهّلينّي اللاحق للإسكندر الكبير ، أُدخلت في سفر طوبيّا (21،1 ) . وفي القرن الأوّل بعد المسيح ، أُدخل قسم من ترجمتها ( التي كانت قد فُقدت ) . في (( سيرة إيزوب )) . حوالي القرن الثالث ، قد تكون قصّة قصر الفرعون المرجوُّ بناؤه في السماء أَوحت لتوما ، كما نقرأ في (( أعماله )) ، أن يشيّد قصرا ً في السماء بالمال الذي قصد الملك أن يبنَي به قصرا ً على الأرض ، لكنّ توما وزّعه على الفقراء والمحتاجين . وما إن وافت العصور الوسطى حتى تُرجِمت القصّة ، كاملة ً أو ناقصة ً ، إلى عشر لغات مختلفة ، شرقيّة وغربيّة على السواء .
هناك شذرة لقطعة أدبيّة وثيقة الصلة بـ ((قصّة أحيقار )) قد تكون جذورها عائدة ، هي الأخرى ، للأدب الآراميّ الأسبق لا توجد إلا بالسريانيّة ، وهي عبارة عن منافسة مشابهة في الألغاز :
(( كتب ملك البابليّين وأرسل إلى ملك الفرس قائلا ً : (( فسّر لي ستّة أشياء فتأخذ َ منّي جزية ثلاث    سنوات ؛ أمّا إذا لم تجب عليها ، فآخذ منك جزية ثلاث سنوات : ما الأثقل من الجبل ، والأحرّ من النار ، والأحدّ من السيف ، والأحلى من العسل ، والأدسم من إلية الخروف ، وما الأكيد بين المخلوقات ؟)) .
(( أمّا إجابة ملك الفرس التي ردّها لملك البابليّين فكانت : (( الأثقل من الجبل هو الغشّ ؛ والأحرّ من النار غضب الإنسان ؛ والأحدّ من السيف لسان امرأة شرّيرة ؛ والأحلى من العسل الحليب في حنك الرضيع من ثديّ أمّه ؛ والأدسم من إلية الخروف الأرض والماء اللذان يجعلان كلّ ما عليها دسمِا ً ؛ والأكيد بين المخلوقات هو الموت )).
كانت مجموعات الحِكَم محبّبة دائما ً في الشرق الأوسط . تُنسَب مجموعة مبكَّرة إلى المؤلّف اليونانيّ ميناندر، وهي الأرجح من أصل يهوديّ لم تُحفظ إلاّ بالسريانيّة ، غير أنّها لا تمتّ بصلة إلى مجموعة الأقوال المأثورة اليونانيّة التي تحمل اسم ميناندر أيضا ً . تتكوّن هذه المجموعة من مائة قول ونيّف ، وتفتقر إلى مقدّمة قصصيّة . وتتعلّق بعض مقولاتها بتربية الأطفال ، لكن ّ لغيرها طابعا ً أخلاقيّا ً ، مثل : ((الكسل مقيت : إنه يؤدّي إلى الجوع والعطش والعري والأسف . ما أروع  الاجتهاد وأمجده! إنّه يؤدي إلى امتلاء المعدة في كلّ الأوقات ، واستنارة الوجه . فحتّى إن لم ينجح مثل هذا الشخص في الحياة، في الأقلّ لن يلومه الناس )).
ليس بَردَيصان أوّل مؤلَّف سريانّي نعرفه بالاسم وحسب ، بل نعرف أيضا ً تاريخ ميلاده ووفاته بالضبط : 11 يوليو /تموز 154-222 . أمّا الأثر الأدبيّ الوحيد المتبقّي من أعماله ، أي (( كتاب قوانين البلدان ))(1) ، فهو أوضح دليل على صعوبة الفصل بين الدنيويّ والدينيّ في الأعمال الأدبيّة السريانيّة . فعلى الرغم من أن مضمونه ليس دينيّا ً في مجمله ، إلا إننا نجد أنّ العنوان الذي يعطى للكتاب في ترجمته اليونانيّة ( التي اقتبس منها أوسابيوس ) هو (في القَدَر )، وهو موضوع يرشح من العمل كلّه .إذا فالموضوع دينيّ في جوهره من حيث تناوله لقضايا مثل حرّيّة الإرادة وقِسمة الإنسان الُمعَدَّة سلفاً. وهذا ما يتّضح من المقطع الآتي الذي يتحدّث فيه بردَيصان :
(( دعونا نأت إلى سؤال عويذا : (لماذا لم يصنعنا الله بحيث لانخطئ ولا نستشعر ذنبا ً ؟) والجواب هو أنَّ الإنسان ، لو تكوّن على هذا النحو، لَفقد قيمته الخاصّة وصار أداة لمن يشغّله )).
يُشتَقّ العنوان الأكثر شهرة لـ ((كتاب قوانين البلدان )) ، من قسمه الذي يورد أمثلة على مختلف القوانين أو العادات المطبَّقة في بقاع مختلفة من العالم ، إشارة ً إلى أنّ النجوم ليست المقرَّر لمجريات الأحداث .
(( فالناس رسموا قوانين في أماكن متعدّدة بإرادتهم الحرّة التي وهبهم اللّه إياّها ، وهي هبة تناقض ( فكرة ) القدر )).
ومن العجيب أنّ الأمثلة التي يسوقها تمتدّ حتّى الهند :
(( في الهند وضع البراهمة ، البالغ عددهم ألوفا ً وربوات ، قانونا ًيحظر القتل أو عبادة الأصنام أو ارتكاب الزنا أو أكل اللحوم أو شرب الخمر . وبين أولئك الناس لايحدث شيء من هذه ؛ وقد بقوا الآف السنين يعيشون بمقتضى هذا القانون الذي وضعوه لأنفسهم )).
وثّمة عمل آخر مختلف جدّا ً في طابعه ،لا يمكن الفصل فيه بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ هو (( قصة غرام يوليانوس)). يمكن وصف هذه الرواية الطويلة ، التي تحمل في عصرنا الحديث اسم البطل الزائف anti-heros أي الأمبراطور يوليانوس الجاحد (361-363) بأنها رواية تاريخيّة تروي أحداثا ً وقعت في عهود أباطرة القرن الرابع : قسطنطين وقسطانتيوس الثاني ويوليانوس وجوفيانوس (لاسيّما في منطقة الرها ) . ما زال تاريخها موضوع خلاف ، لكن يبدو من الراجح الآن أنّها أُنتجَت في الرها في أواخر القرن الرابع ، لا في مطلع القرن السادس كما كان يُظنّ سابقا ً . يبدو أنّ جزءا ً من هدف المؤلف المجهول كان تقديم تفسير للتاريخ القريب ، يبرّر التخلّي عن مدينة نصَيبِين الحدوديّة للفرس عام 363 ، ضمن معاهدة سلام مخذلة بعد وفاة الإمبراطور يوليانوس في أثناء غزوه الكارثيّ لإمبراطوريّة الفرس . (وكان من نتيجة هذا الغزو اضطرار أفرام إلى مغادرة نصَيبِين لاجئا ً ، ليقضي نحبه في الرها بعد ذلك بعشر سنوات ). تعويضا ً عن عار معاهدة السلام ( كما بدا الأمر لمعاصرين كثيرين ) التي اضطُر ّ جوفيانوس إلى إبرامها مع الشاه الفارسيّ شابور الثاني ، يُصوَّر جوفيانوس بطلا ً أعاد المسيحيّة  بعد  حكم قصير ليوليانوس الوثنيّ . وفي الرواية حادثة اتّضحت أهّميّتها في ما بعد : جوفيانوس عند تتويجه يطلب وضع التاج الأمبراطوريّ على الصليب قبل وضعه على رأسه ، قائلا ً : (( حاشا أن يوضع تاج الوثنيّ (يوليانوس ) فوق رأسي قبل وضعه على رأس الصليب )) فإذا بالتاج ينزل بأعجوبة من الصليب من تلقاء نفسه ويستقرّ فوق رأس جوفيانوس . ويتم ّ تبنّي هذه الفكرة في ما بعد في (( رؤيا )) ميتوديوس المزعوم ، المؤلّفة نحو عام 692 ، وفيها يضع آخر إمبراطور رومانيّ تاجه على صليب الجلجلة ، حيث يرتفع من هناك إلى السماء . وما لبثت هذه ((الرؤيا )) ، التي يتّضح أنّها كتبت ردّا ً على سياسة عبد الملك الدينيّة ، أن تُرجِمت إلى اليونانيّة ، ومنها إلى اللاتينيّة ، وكان لها في هاتين اللغتين أثر بالغ .
لقد أنتجت الرُها عدّة أعمال أخرى من القصص الخياليّ التاريخيّ ، نخصّ منها بالذكر (( تعليم أدّاي )) و(( استشهاد شربل وبرصيما ))، و(( قصة يوفيميا والغُوطيّ )) ؛ ويعود تاريخ هذه الأعمال ، على الأرجح ، إلى النصف الأوّل من القرن الخامس ، لكنّ طابعها الدينيّ العَلَنيّ هو أكثر بروزا ً .
قليلة هي الشخصيات التي استحوذت على مخيّلة العامَّة مثلما فعلت شخصيّة الإسكندر الكبير . لذا حظيت (( قصّة غرام الإسكندر ))الشهيرة ، المنسوبة إلى كالستينس ( pseudo Callisthenes ) ، بشعبيّة فائقة في مختلف اللغات ، بما فيها السريانيّة . لا تتّفق النسخة السريانيّة مع أيَّ من النسخ اليونانيّة المنقّحة . ومن ضمن سماتها المميَّزة قسم طويل عن رحلة الإسكندر إلى الصين ، غائب بأكمله من النسخ اليونانيّة يقع ذلك في نهاية خطاب الإسكندر إلى مؤدّبه أرسطو ، اذ يصف كلّ العجائب التي صادفها في رحلاته . لا يوجد في نصّ كالستينس سوى صورة مختصرة جدّا ً من هذا الخطاب ، ولكن تظهر في اللاتينيّة صورة أوفى بكثير في هيأة خطاب مستقلّ ، لاقى رواجا ً كبيرا ً في الغرب طوال العصور الوسطى . وهذه الصورة اللاتينيّة أقرب بكثير إلى النسخة السريانيّة ، إلاّ أنّها لا تحتوي على وصف رحلات الإسكندر المزعومة إلى مجاهل الصين .
لدى وصول الإسكندر إلى بلاط ملك الصين ، يتظاهر أنّه سفير له يحمل الرسالة  الآتية :
(( قد نصّبت الآلهة مولاي الإسكندر سيّداً على كلّ ملوك المعمورة ، وتبعا ً لذلك سأكون أنا رئيسا ً وأميراً لجميع الحكّام . فكلّ مَن قبل هيمنتي يظلّ محتفظا ً بأراضيه كلّها ، ويبقى في سيادته ؛ أما كلّ مَن لا يقبلني فلن يظلّ مالكا ً لأراضيه أو سيادته )).
قبل تقديم الردّ ، يريد ملك الصين أوّلا ً معرفة طول الإسكندر . ثم يهدي الإسكندر المتنكّر عباءة ً مطويَّة مختومة بختمه ،على أن تؤخذ هديّة ً للإسكندر مع رسالة منه . وفي الرسالة يحذّر ملك الصين الإسكندر ألاّ يثق بما صادفه من حسن حظّ حتّى الآن :
(( اتّخذ ْ من هذا موضوعا ً للتأمّل : إذا انقلب عليك حظّك فَنِيَ صيتك وبسالتك العظيمان بمحض الصدفة ، لأنّ هذا المصير الغشّاش لا يمكث دائما ً في يد واحدة من دون غيرها . نحن معشر البشر نعمل وندبرّ الأمور لنبيد كثيرين من إخوتنا البشر ونستولي على أراض ٍ كثيرة، بنفقة باهظة وبوساطة تعب ومشقّة ، لأنّنا جلاّدون ، ولكن بعدئذٍ يتوارى كلّ شيء ويهجرنا،  رغماً عنّا ؛ فبدلا ً من البقاع الكثيرة التي كنّا نحكمها، والبلدان الكثيرة التي أخضعناها، كلّ ما نخلّفه قطعة أرض بحجم هذه العباءة )).
هنا ، يسلّم ملك الصين العباءة إلى الإسكندر ، بعد أن اتّضحت الرسالة المقصودة منها. ألهمت شخصيّة الإسكندر نصَّين سريانيَّين آخَرين في الأقلّ : رواية نثريّة ، محفوظة في صورتين مختلفتين نوعا ً ما ، وقصيدة طويلة ، تنسب خطأ ً إلى يعقوب السروجيّ ، تمّ نقلها في ثلاث صور مختلفة . ولقد أوضحت الدراسة الحديثة أنّ النصّ الشعريّ معتمد على النص ّ النثريّ لا العكس، كما كان يُعتَقد قبلاً. عنوان النصّ النثريّ (( مأثرة الإسكندر ، ابن فيلبّوس المقدونيّ ، الذي مضى إلى الأقاصي وصنع بابا ً حديديّا ً )) ليصدّ حشود الهون ( The Huns ) . ويزعم النصّ أنّه مأخوذ من (( محفوظات ملوك الإسكندريّة )) . ويتّضح في سياق النصّ أنّ الهون ليسوا سوى الشخصيّتين الكتابيّتين جوج وماجوج (2) ، الوارد  ذكرهما  في  حزقيال 38 ، واللذان يظهران كثيرا ً في النصوص الرؤيويّة . ويعطينا ظهورهما على الفور لمحة عن طبيعة العمل . ففي المقام الأوّل ، صار الإسكندر موحَّدا ً monotheiste ، بل يوصف في النسخة المختصرة للنصّ ، المحفوظة في ((أخبار زوقنين )) من القرن الثامن ، بأنّه نذر نذرا ً قبيل شروعه في فتوحاته ، قائلا ً (( إن جاء المسيح ابن الله في أيّامي ، فلسوف أعبده )). ثانيا ً ، يحتوي العمل أيضا ً على رسالة رؤيويّة . ينعكس هذا في النقش الطويل الذي يقال إنّ الإسكندر وضعه على الباب الحديديّ، الذي يتنبّأ في سياقه بتدمير مملكَتي الفرس والهون الواحدة منهما للأخرى ، وكلّ ما تبقّى سيدمّره الرومان .يمكن التعرُّف على زمن كتابة (( مأثرة الإسكندر )) بقدر من اليقين : عام 628 ، في أثناء عودة الإمبراطور هِرقَل من انتصاراته على الفرس واستعادته الولايات الشرقيّة التابعة للإمبراطوريّة الرومانيّة ، متضمَّنا ً ذلك أورشليم التي احتلَّها الفرس سنة 614 ، واستولوا على أقدس الآثار المسيحيّة : عود الصليب .
يتبنّى واضع القصيدة القصّة الأساسيّة للنصّ النثريّ ،لكّنه يحوّر الرسالة الرؤيويّة : فعوضا ً عن الخاتمة الانتصاريّة، الواعدة بسيادة خلفاء الإسكندر على العالَم ، ستسقط (( روما العظمى )) ذاتها ضحيّة لجحافل جوج وماجوج عندما يُفتَح الباب الحديدي ّ في سنة 7000 . مع ذلك ، (( لن تفلح هذه الجحافل في دخول أورشليم ، مدينة الربّ ، لأنّ شارة الربّ ستفزعهم )) وبعد أن تحطّم قوات جوج وماجوج بعضها بعضاً ، سيظهر المسيح الدجّال الذي سوف يدحره المسيح بنفسه في النهاية . إنّ ذكر (( شارة الربّ )) ، أي الصليب ، في أورشليم وقدرته على صدّ العدوَّين جوج وماجوج ، يمدّنا بتأريخ مضبوط نوعا ً ما لهذه القصيدة : أي ما بين 630 و 636 . فإنّ هرقل أعاد الصليب إلى أورشليم ، وسط احتفاء عظيم ، سنة 630 ، ثم سقطت أورشليم في يد الجحافل العربيّة سنة 636 .
من المواضيع التي يُدرجها مؤلَّف القصيدة سعي الإسكندر وراء نبع ماء الحياة . وعلى الرغم من ظهور هذا في بعض النسخ اليونانيّة المنقَّحة لكالستينس المزعوم ( II  ، 39-41) ، لا نجد أثراًً له في النسخة السريانيّة من هذا العمل. ووروده هنا ذو أهميَّة، إذ يرد ذكر نبع الحياة أيضا ًفي القرآن الكريم ( الكهف 18 : 60-82) ، وكذلك في التلمود البابليّ ( تَميد 4) . والحقيقة إنّ آثار فكرة (( ماء الحياة )) ( أي الخلود ) يمكن اقتفاؤها في بلاد ما بين النهرين القديمة ، لاسيّما في أسطورة أدَابا( Adapa )  .
توجد بعض النصوص الأخرى المتعلّقة بالإسكندر في السريانيّة ، نخصُّ منها بالذكر سرد   وقائعيّ موجز عن حياته ، لا يُعلَم من أيّ مصدر آخر ، وسلسلة قصيرة من (( مراثي الفلاسفة في موت الإسكندر )) ، التي نجد لها مقابلا ً قريبا ً في الكرونيكة العربيّة عن البطريرك أوطيخا   Eutiches   ، في حين توجد بعض المرثيّات المختلفة تماما ً عند قبر الإسكندر في مصادر عربيّة أخرى ( ولاتينيّة من القرون   الوسطى ) . يمكن التماس الطابع العامّ لهذه الأقوال السريانيّة مما يأتي:
(( قال سِسِنيّوس : هذا الرجل تسبّب بموت كثيرين لئلاّ يموت ، لكنّه مات . فكيف فشل في إبعاد الموت  عنه بوساطة الموت ؟ )) .
لإنّ الأقوال البليغة كالحِكَم والأمثال تروج في كلّ الحضارات . فليس من الغريب إذا ً انتقاء عدّة نصوص عدة من هذا اللون للترجمة من اليونانيّة إلى السريانيّة. (( حياة سِكوندوس الفيلسوف الصامت )) هو أحد النصوص التي تجمع بين القَصَص ومجموعة من الأقوال البليغة، مثل (( قصّة أحيقار )) . تمتّع هذا العمل اليونانيّ الأصل بشعبيّة في القديم ، وترجم إلى اللاتينيّة والأرمنيّة والإثيوبيّة والعربيّة ، وكذلك إلى السريانيّة . والواضح أنّه كان يُقرأ بالسريانيّة بين رهبان الأديرة، لأنّ إسحاق النينويّ اقتبس منه . بعد افتتاحيّة مروّعة تشرح سبب نذر سِكوندوس الصمت ، تُخصّص بقيّة القصّة للقائه بالإمبراطور هادريانوس في أثينا . أّراد هادريانوس سماع درر الحكمة من فم هذا الفيلسوف الذائع الصيت ، لكنّه استشاط غضبا  ً ّلما قوبل بالصمت، فأمر بأخذ سِكوندوس وإعدامه إن هو أبى أن يتكلّم . لكنّه يأمر الجلاّد سرّا ً بالإبقاء على حياته إذا أصرّ على صمته ، وأن يقتله إذا تكلّم . فيظلّ سِكوندوس فعلا ً على صمته، وحينئذ ٍ يطلب منه الأمبراطور تسجيل حكمته على لوح. ثم ّ يختتم العمل بمجموعة من المقولات، تعقبها إجابات قصيرة عن سلسلة من الأسئلة المحدّدة ، تنتهي بـ (( ما هو الموت ؟ )) .
توجد في السريانيّة مجموعات أقوال عديدة منسوبة إلى فلاسفة يونان ، تنقصها مقدَّمة روائيّة . بعضها له نظير يونانيّ ، وبعضها الآخر ليس له. من بين الأولى مجموعة تتكوَّن من 50 قولا ًقصيرا ً ونيَّف، منسوبة إلى الفيلسوفة الفيثاغوريّة ثِيانو Theano  . يمكن التماس طابعها الرائع ممّا يلي :
(( -يعوزنا في الدنيا أن نختار الكامل ، لا الممتع .
-إن كان أحد يزعجك ، ولو قليلا ً ، ينبغي بالأكثر أن تتجنب إزعاجه .
-إنّ مَن يغضب ، ولو قليلا ً ، يُلحق الضرر بنفسه ، لأنّه لا يَغضب أحدٌ من دون وقوع بلوى نتيجة ذلك .
-لا أحد أحوج من الشخص الذي لا يكتفي بثروته . ولا أحد أوفر غنىً من المستكفي بقليل من القلق )).
من بين مجموعات الأقوال التي ينقصها مقابل في اليونانيّة عمل قصير مثير للشغف عنوانه (( إرشادات أنطوان طبيب أفلاطون )) . يقدَّم القسم الأوّل منه نصائح عن تربية الأطفال : وكمثال على الحاجة إلى التدريب المبكّر ، يستشهد المؤلف بالأُسود وغيرها من الوحوش التي تؤدّي عروضا ً في السيرك . ذلك بأنّ التأخّر في التدريب قد يفضي إلى عواقب وبيلة :
(( إن لم يخضع الأطفال للتدريب منذ نعومة أظفارهم ، بل يُسمَح لهم بالتقدّم في السنّ معتادين على سخيف الكلام ، في حين تتَّقد فيهم نار الشهوة ويُظهرون جرأة غير هيّابة نحو والديهم ، فلن يكون سبيل إلى ترويضهم ووضعهم تحت نير الخضوع ، أو إلى تقبّلهم تعاليم الفلسفة ، لأنّ ما سلف من عاداتهم السيّئة وسلوكهم المقزّز ، الذي تعلّموه نتيجة ً لتربيتهم الغبيّة ، لن يسمح لهم بتركيز قواهم العقليّة ، بسبب عجزهم عن التركيز ووقاحة أخلاقهم )) .
يُنسَب نصّ قصير آخر ليس له أصل يونانيّ إلى أبولّونيوس التيانّي ( Apollonius of Tyana ) ، إلاّ الأسلوب والنبرة ، في البداية في  الأقلّ ، يُظهران قرابة إلى (( سفر الأمثال )) الكتابيّ منها إلى أيّ مؤلَّف يونانيّ :
(( تأسّفت جدّا ً لهذه الأشياء : لملك عادل إذا مات، لقائد جيّد إذا أطيح به، لرجل حكيم إذا أزدُرِي به ، لرجل صالح إذا سقط في خطيئة، لرجل غنيّ إذا افتقر ، لرجل حُرّ إذا استعبد، ولرجل طيّب إذا اتّخذ زوجة سوء )).
يقدّم الكتاب المجهول بعد ذلك لغزا ًبخصوص جبل الأولمب الذي (( كلّه نار )) ، لكنّ (( من يسير عليه نهارا ً لا يكتوي به ، بينما من يمسّونه ليلا ً يحترقون )) . ويقدّم الشرح أيضا ً: الأولمب هنا يمثّل جسد امرأة ، لكنّ (( من تضطرم نفوسهم بالنيران الإلهيّة ... وتستنيرُ عقولهم برؤيا الحكمة ، يثبّتون رؤياهم الروحيّة )). ويتخطّون بأبصارهم حدود الجمال الخارجيّ ، وتبعا ً لذلك (( لا تحرقهم نار شهوتها )).
يمكن العثور على أحاج ٍ أفضل من هذه الأحجية المعادية للمرأة ، وهي منظومة شعرا ً في الغالب عند كتّاب مختلفين عاشوا من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر على ما يبدو . من بينهم ابن العبريّ الذي يشتهر أكثر بمجموعة قصص بعنوان (( حكايات مسلّية ) . يحتوي هذا العمل على 20 فصلا ً فيها 727 قولاً أو رواية قصيرة عن مختلف الناس (الإغريق، الفرس، الهنود ... الخ)، والخلفاء وحكمائهم، والنسّاك المسلمين، والأطبّاء، والحيوانات، .... الخ ، بل أيضا ً عن أصحاب المهن المحتقرة مثل مؤدّي العروض في السيرك، وكذلك اللصوص والمجانين. إحدى السمات اللافتة للنظر عند ابن العبريّ هي انفتاح الذهن : فكلّما رأى شيئا ً حسنا ً أو قيّما ً سَعد بالنّهل منه واستغلاله أفضل استغلال. وهو ما حدث أيضاً مع (( حكايات مسلّية )) ، التي يتّضح أنّها في مجملها اقتباس عن مؤلَّف عربيّ كتبه قبل ذلك الوقت بـ 250 سنة أبو سعد منصور الأبيّ .
خرافات الحيوان لايُضارعها في الرواج والشعبية إلاّ قليل من القطع الأدبيّة، وقد عرفناها تحت عنوانها العربيّ : (( كليلة ودمنة)). لاقت هذه القصص الهنديّة الأصل رواجا ً هائلا ً في الشرق الأوسط ، فتُرجِمتْ في القرن الحادي عشر إلى اليونانيّة ، ووصلت أوروبا في القرنين الخامس والسادس عشر ترجمات لها من لغات شرق – أوسطيّة عدة، حيث لاقت أيضا ً شعبيّة منقطعة النظير ، وأثّرت في كتّاب كثيرين مختلفين . تّمت ترجمة المجموعة إلى السريانيّة ثلاث مرّات: مرّة عن الفارسية الوسطى ، ومرّتين عن العربيّة .
لا ريب أنّ هذه القصص وصلت إلى الشرق الأوسط في مطلع القرن السادس، عندما ترجمت عن السنسكريتيّة إلى الفارسيّة الوسطى ( الفهلويّة ). ولكن نظرا ً إلى ضياع الترجمة بالفارسيّة الوسطى ، ازدادت أهمّيّة الترجمة السريانيّة الأولى التي أتمّها في القرن السادس شخص يدعى بودا ، لأنّها أقدم شاهد على وجود هذه القصص في الشرق الأوسط . وعندما تمّت الترجمة السريانيّة الثانية ، التي ترقى إلى القرن العاشر ، كانت مجموعة القصص قد ازداد حجمها كثيرا ً. وهذه الترجمة الثانية تمّت عن  نسخة عربيّة استقت الترجمة التي أتمّها ابن المقفّع من الفارسيّة الوسطى، والتي تُستمَدّ منها كافّة الترجمات اللاّحقة كافة إلى لغات أخرى . وإنّ ما يبعث على الدهشة هو أنّ المقدّمة الشائقة للترجمة عن الفارسيّة الوسطى الأصلية بوساطة برزوَيه لم تُحفَظ إلاّ في الترجمة العربيّة لابن المقفّع. أمّا الترجمة السريانيّة الثالثة فأحدث عهداً كثيرا ً، ذلك لأنّها تمّت في أواخر القرن التاسع عشر على يد العلاّمة الكلدانيّ توما أُودو . العديد من الحكايات عبارة عن قصص ضمن قصص ، وهكذا فإنّه في قّصة الغراب الذي كان الثعبان يداوم على التهام صغاره ، يذهب الغراب ليحكي مشكلته إلى جاره ابن آوى ، ويقترح أن يذهبا معا ً لفقء عيني الثعبان وهو نائم :
(( أجاب ابن آوى : ( ابحث عن وسيلة لقتل الثعبان من دون الإضرار بنفسك، لئلا ّ يصيبك ما أصاب البلشون الذي أراد قتل السرطان ( السلطعون ) فانتهى به الأمر إلى قتل نفسه)) . فسأل الغراب : (( كيف كانت القصّة ؟)) ( الترجمة السريانيّة الأولى )  فيخبره ابن آوى بقصّة البلشون والسرطان .
ولا تتعلّق جميع القصص جميعاً بالحيوانات ؛ من ذلك مثلا ً :
(( أتى تاجر فقير إلى مكان آخر للتجارة ومعه 100 مَنَا ( قرابة 500 غرام ) من الحديد. فلمّا كان بلا أقارب هناك ، استودعها رجلا ً يعرفه ليتعهّدها، ثم قصد راحلا ً. ولدى عودته طالب صاحبه بحمولة الحديد ، وكان الرجل قد باع الحديد وأنفق ثمنه على نفسه، فقال للتاجر : (( الفئران أكلت الحديد )). لم يشأ التاجر إخافته أو إرعابه ، فقال : (( إذا ً قد صحّ ما يقولون إنّ مِن بين ذوات الأربع وذوات القدمين ليس ما هو أحدّ أسنانا ً من الفأر. لكنّ الأمر واقع، وقد وجدتك سالماً غانماً، فسأنسى الخسارة التي سبّبتها الفئران)). ابتهج الرجل الآخر لأنّ التاجر اقتنع بكلامه، فدعا التاجر إلى تناول الطعام في داره ذلك اليوم. أخذ التاجر ابن صديقه وخبأه . فقال له هذا : (( عندما أخذت ابني ماذا فعلت به ؟ )) فقال له صديقه : (( أنا لم آخذ ابنك ؛ إنما هو تبعني، ثم رأيت صقراً ينقضّ عليه ويخطفه )). أطلق صاحبه صيحة وصرخ مستغيثا ً بالملك، وكان يقرع على رأسه وصدره ويقول: (( أين شوهد أو سُمع أنّ صقرا ً يقدر على خطف صبيّ صغير ؟)) فقال له التاجر:(( حيث يقدر الفئران على أكل مَنَا من الحديد، فلا عجب أن يخطف صقرٌ فيلا ً؟)) عندئذ اعترف صاحبه:(( قد أكلت حديدك ، فتمثّلتُ مرارة. خذ قيمته ورُدّ لي ابني )) ( الترجمة السريانيّة الأولى ) .
مجموعة القصص الأخرى التي لاقت رواجا ً كبيرا ً تختصّ بالسندباد والحكماء السبعة ، وهي عن مكائد النساء. من الراجح ، على مايبدو، أنّها ليست من أصل هنديّ ، بل تمَّ تأليفها في القرن السابع بالفارسيّة الوسطى . ومرّة أخرى تبرز أهمّيّة الترجمة السريانيّة كشاهد على نقل النصّ ، حيث أنّها تمّت من ترجمة عربيّة مفقودة عن الأصل الفهلويّ ، أمّا النسخ العربيّة الموجودة فهي نسخ مُهذّبة لاحقة للنصّ . وعند نهاية القرن الحادي عشر تُرجمت النسخة السريانيّة إلى اليونانيّة في ملاطيّة ، وكانت وقتئذ ٍ ملتقى العالمَ اليونانيّ والشرقيّ . ونحو ذلك الوقت تمّت ترجمة مجموعة سريانيّة من (( خرافات أيسوب )) (Aesop ) إلى اليونانيّة ، ولكن باسم آخَر . وكان اسم أيسوب قد حُرَّف في السريانيّة إلى إيوسثوس ، لكنّ المؤلّف اختار الترجمة اليونانيّة اسم سِنتيباسSyntipas  بسبب أنّ النصّ قد نُسِخ عن المخطوطة نفسها التي تسمّي البطل السندباد،  فيما كانت الحيوانات في (( كليلة ودمنة)) أبطال الرواية، جاء عمل شعبيّ آخر، تداولته لغات مختلفة، يمنَح سماتها وخصائصها تفاسير أخلاقيّة وعظيّة. إسم الكتاب (( الفيزيائي)) Physiologus ويبدو أنّه نشأ في مصر أواخر القرن الثاني للميلاديّ ؛ وكان مكتوبا ً باليونانيّة ، ولكنّه ما لبث أن تُرجِم إلى  لغات عدة. كانت النسخة اللاتينيّة في أوروبا خلال العصور الوسطى مصدر النوع الأدبيّ المحبّب المسمّى Bestiary ، أي كتاب الحيوان وعاداته. يصف المؤلَّف المجهول نفسه في عدّة مناسبات بالفيزيائيّ(Physiologus )، أي الكاتب في عالم الطبيعة، وقد اتّخذ من الحيوانات الوارد ذكرها في العهدين القديم والجديد نقطة انطلاق له . تكوّن العمل اليونانيّ الأصليّ من 48 بابا ً قصيرا ً، لكنّ طبيعة العمل أوجبت الإضافة إليه أو اختصاره. لذلك فإنّ عدد الأبواب يتباين تبايناً كبيراً باختلاف المخطوطات، فيترجّح بين 9 و 125. وهذه المجموعة الكبرى تحمل عنوان (( كتاب الكائنات الطبيعيّة )). بيد أن 45 باباً فقط من المجموعة تستمدّ أصلها من (( الفيزيائيّ)). وقد كانت هذه المجموعة – بدورها – مصدر  (( كتاب نعوت الحيوان )) العربيّ المجهول المؤلَّف والعائد للقرن العاشر. ثم احتوت طبعة مُوسَّعة تالية على 81 باباً، ينتمي أول 47 منها إلى ((الفيزيائيّ)) الأصليّ. في هذه المجموعة يتمّ تقديم المغزى الُمستشَفّ من كلّ حيوان باصطلاح theoria ، أي (( المغزى الروحيّ )). وكما سنرى في الاقتباس الآتي ( باب 32 )، كان ((الفيزيائيّ )) أداة لنقل كمًّ كبير من التراث الشعبيّ ( الفولكلور ):
(( في الطائر المُسمّى (( نسرا ً) :
(( علّم الفيزيائيّ أيضاً عن النسر، كيف يسكن الجبال الشاهقة العالية. عندما يحين أوان حَبَل الأنثى، تذهب إلى الهند وتأخذ من هناك حجرا ً مثل البندقة، وفي داخله شيء مثل الجنين، أقصد بقولي حجراً آخر أصغر من الخارجيّ، يُصدِر صوتاً إذا هُزَّ. فإذا نزل بها المخاض قبل عودتها، تجلس على الحجر الذي أحضرته وتلد. المغزى الروحيّ: الأمر عينه يسري عليك أيّها الإنسان: إذا حبل ذهنك بأفكار كراهيَّة هي من عند كاره البشر (الشيطان ) ، فخذ لنفسك الحجر الصادق المتألّق: مريم ... فبوساطتها ستنقشع تلك الخواطر التي ولّدها الشيطان وتتطهّر منها. لأنّه حينما يكون الحجر الذي قُطِع بغير يد(دانيال 2: 34) قريبا ً من ذاكرتك ، لن تولد فيك أبداً أفكار شريرة، ولن يصيبك مخاض الخطيّة، فتلد أعمال شرّ وسوء. بعد أن تتمَّم هذا، وبعد أن تتقدّس بالحجر – أي المسيح – تَمّم إذاً الحجر القديم، الذي يوضع الحجر الآخر في داخله ،أقصد: العهد الجديد، وبوساطة هذين الاثنين لِد وأثمر الفهم الروحيّ، مع سيرة تتحلّى بأعمال البرّ ))
يجوز إدراج  الأعمال المذكورة جميعاً حتّى الآن تحت نوع (( الأدب الشعبيّ )). وهنا يجدر بنا أن نذكر في عُجالة لونا ً من الأدب غير الدينيّ، ذي طبيعة أكاديميّة علميّة. وعلى الرغم من أنّ نسبة كبيرة مّما تبقى من هذا اللون لا يعدو أن يكون ترجمات للأدب اليونانيّ الطبّيّ والعلميّ والفلسفيّ  إلاّ أنّه يوجد كذلك قدر معيَّن من هذا اللّون من الأدب أُلَّف بالسريانيّة. وقد عبَّر العلاّمة الكبير ساويروس سابوخت في القرن السابع عن مواجهته الشوفينيّة الثقافيّة(الغلوّ في تثمينها) لبعض معاصريه الإغريق :
(( في ما يختصّ بتأخّر المعرفة وقلّة العِلم عند الإغريق، دعوهم يصغون إلى ما قاله الإغريق أنفسهم. أنا أشير إلى أفلاطون ، أوّل فيلسوف ذاع صيته بينهم، وإلى ما كتبه في (( طيماوس)) Timaeus : (( بعد عودة سولون من مصر، أخبر حكيم الحكماء هذا أركيتانس بما سمعه من كاهن مصريّ طاعن في السنّ. فقد أخبره:(( آه، ياسولون ، ياسولون ! أَنتم معشر الإغريق دائماً أطفال. ما مِن إغريقيّ نضج وشاخ )). ثّم قال بعد ذلك:(( أنتم معشر الإغريق رُضَّع في نفوسكم: فليس لكم فيها أيّ رأي عتيق، أو أيّ تعليم عتّقه الزمان. تخطّتكم الكتابة بأجيال عدّة، ومتّم بدون صوت)). يبيّن هذا الاقتباس أنّ الإغريق لم يعرفوا الكتابة طوال عدّة أجيال عدة، إنما (( ماتوا بدون صوت))، أي موت الأبكم غير العاقل . فكيف إذا يتباهى بعضهم بأنّهم أوّل مَن اكتشف علم الرياضيّات والفلك ؟ إنّ هذا لا يصحّ في الحالتين )).
كتب ساويروس سِابوخت نفسه – من ضمن ما كتب – في  جوانب عدّة مختلفة من الفلك ، من وجهة نظرٍ نظريّة، في التحام الكواكب السبعة مثلا، لكن أيضاً من الناحية الأدبيّة يشرح في كتابه عن (( الكوكبات)) الأصول الأسطوريّة لكثير من لأسماء اليونانيّة. ولأجل هذا الغرض يستعين بكتيّب مفيد جدّاً عن الميثولوجيا الإغريقيّة تُرجِم إلى السريانيّة. وقد جرى ذلك في صورة تعقيب جار ِعلى التلميحات إلى شخصيّات ميثولوجيّة إغريقيّة في (( أحاديث غريغوريوس النَّزِيَنزيّ )) الذي تُرجِم مع الأحاديث ذاتها .
كان ساويروس سابوخت، مثَله كمثَل علماء    عدة سريان أرثوذكس آخرين من القرن السابع، متّصلا ً بدير قِنَّسرين على نهر الفرات، وقد يكون قام هناك بتدريس معاصره الأصغر سنّا ً يعقوب الرهاوي (+708) . ويعقوب هذا كان عالماً فذّاً متعدّد المواهب، كتب في شتّى الموضوعات، الدنيويّ منها والدينّي. ومع أنّ شرحه لـ ((الأيّام الستّة )) Hexahemeron  يختصّ بأيّام الخلق الستّة الأولى، كما يرويها سِفر التكوين، إلاّ أنّه في الوقت نفسه موجزٌ علميّ باهر، يتناول موضوعات تمتدّ من عِلم التعدين إلى الجغرافيا، ومن عِلم النبات إلى الأرصاد الجوّيّة. وكما هو الحال في أيّ موضوع ثقافيّ، يُبنَى  الكثير منه على ما تقدّم من أعمال، لكنّ يعقوب ليس بالعالِم الذي لا يبرح مكتبته ، لأنّه يستعين بملاحظات شخصيّة ، كما هو واضح من وصفه لتكوين السُّحُب :
(( يقع مولد السحب في الجوّ نتيجة لهواء مائيّ رطْب فوق الهواء الجافّ الصافي الأقرب إلينا. وهكذا يُعد مولد السحب نتيجة ً لامتزاج الهواء الرطب، ويقع تلاشيها على النحو نفسه، ولكنْ بطريقة أخرى في أثناء الصيف عند هبوب ريح غربيّة، حين يوجد جبل مرتفع على نحو خاصّ تُناطح قمّته السماء فوق قمم غيره من الجبال، فيصل إلى الحدود السفليّة من الهواء المائيّ الرطب . ولقد راقبت مولد السحب هذا مرارا ً كثيرة بأمّ عيني على قمّة ذلك الجبل الشاهق القريب من مسكننا في إقليم أنطاكيا تتولد السحب في أعلى الجو غرب قمة ذلك الجبل الشاهق على بعد إستادين 2 أو ثلاثة . وما كانت تُرى إلاّ مبهمة ً حتّى ذاك الوقت، أي كانت(( قَدْرَ كَفَّ إنْسَان ٍ )) ( 1 ملوك 18:44)، إن جاز لي استعمال تصوير كتابيّ . وعندما طاردتْها نسمةُ ريح غربيّة في اتّجاه طرف القمّة صارت تكبر شيئا ً فشيئاً، فاتّضحت للعيان . وما إن بلغت وسط القمّة وأعلاها حتّى تضخّمت واغلظّت وتكاثفت، وما فتئت أن غطّت الجبل كلّه )).
وقد بقي لعالِم رهاويّ آخر اسمه أيّوب موجزٌ علميّ منفصل عن النصّ الكتابيّ هذه المرّة. وأيّوب هذا كتب في مطلع القرن التاسع وبات واضحاً أنّه تمتّع بأصالة عالية القدر. يغطّي مؤلّفه (( كتاب الكنوز )) طيفا ً واسعا ً من الموضوعات، من ضمنها سبب ابيضاض شعر الآدميّين وحدهم عند الشيخوخة (( وهو يغزو ذلك إلى تناولهم ألواناً مختلفة من الأطعمة ، وإلى كونهم يواصلون الأكل حتّى بعد شبعهم ) .
انتشرت الفكرة القائلة بأنّ الإنسان يمثّل عالما ً صغيراً (Microcosm )في أواخر العصور   القديمة، لكنّها لا تُندمَج عادةً في علم وظائف الأعضاء ( الفيزيولوجيا)، كما هو الحال في بحث شائق لكاتب يدعى أحودامه (أواخر القرن السادس ):
(( الإنسان عالم صغير يصوّر الكون الكبير: فرأسه يمثّل السماء، ورجلاه تمثّلان الأرض، وبطنُه البحرَ ، وعظامُه الجبالَ والتلالَ، وشعرُه النباتات ، وعروقُه الأنهارِ، أمّا الدم الساري في البدن، فهو كالماء الساري في باطن الأرض. وفي شائج الحواسّ والمشاعر ترتسم المراتب العشر لعلماء البلاغة. ويحكم العقلُ الإنسانَ كما يحكم اللهُ الخلقَ )).
وبعد هذه الافتتاحيّة ، يمضي فيصف كيف تعمل أعضاء البدن الداخليّة المختلفة . فمثلا ً :
(( إنّ المعدة ، حال استقبالها الطعام، ترسل عصارته إلى الكبد، فتحوّله الكبد إلى دم : ثّم ترسل جزءه النقيّ إلى الفؤاد، بينما تسلّم جزءه إلى المرارة والطحال اللذين يسري منهما الأذى إلى سائر البدن . إنّ زيادة المادّة غير المهضومة هو أسّ كلّ الأدواء : فنتيجة ً لعدم حصول الدم على كفايته من الهضم، ينتن الناس ويفسدون . أمّا البدن الجائع ، فلا يمرض )) .
أمّا عدم تأسيس أحودامه فهمه على جالينوس ، الذي كان المرجع الطبّيّ في العصور القديمة المتأخّرة، فواضح من الجملة الآتية، التي نجد فيها بديلا ً عن  أمزجة جالينوس الأربعة :
(( يتشكّل الإنسان من أربعة عناصر : بدنه من الأرض، حياته من الهواء، حركته من النار، إحساسه من الماء )).
قد تكون المعرفة الطبّيّة في الإمبراطوريّة الساسانيّة المتأخّرة مستمدّة من ينابيع شتّى، من ضمنها الهند ( تَذَكّر أنّ في هذا العصر تمّت ترجمة (( كليلة ودمنة ))، الهنديّة الأصل ـ إلى الفارسيّة الوسطى ).
يعود الاهتمام المحترف بالطبّ لأيّام سركيس الراسعيني (+536) الذي ترجم عدداً كبيرا ً من مؤلّفات جالينوس إلى السريانيّة . ممّا يؤسف له عدم بقاء أيّ مؤلّفات طبّيّة من مدرسة جُنديسابور ( بيث لافاط) السريانيّة الطبّيّة المشهورة، التي ترقى إلى الأمبراطوريّة الساسانيّة المتأخّرة . والأمر عينه يصحّ على الموجز الطبّيّ ليوحانان براثيون، إلاّ أنّ في حالته تتوفّر ثلاث ترجمات عربيّة على الأقلّ وترجمتان لا تينيّتان تاليتان. ولكنْ كُِتب البقاء للأصل السريانيّ لكتاب دراسيّ طبّيّ آخر عمّر طويلا ً في ترجمته العربيّة ، حتّى بعد نقله منها إلى اللاتينيّة: أي (( كتاب الأسئلة في الطبّ للمبتدئين )) لُحنَين بن إسحق. في الواقع لم يعش حنين لإتمام كتابه، إنّما أنجزه ابن أخيه حُبيش بن الأعصم. يقدّم لنا المقتطف التالي، الذي يقارن فيه حُبَيش بين منهجين مختلفين في تركيب العقاقير، فكرة عن أسلوب الكتاب :
(( قول التجريبيّين خطأ ، لأنّ العقاقير لا يمكن تركيبها من دون إعمال العقل . أمّا قول أصحاب المذهب العقديّ Dogmatists ، فهو الصواب : إذ يرون ضرورة تركيب العقاقير مع وضع النقاط الآتية في الحسبان : 1- فاعليّة العقاقير المفردة المستقلّة التي يتمّ تركيبها، 2- متغيرات الحال اللاحقة بها، بقطع النظر عن طبيعة العقار ذاته، 3- طبيعة الجزء من البدن الذي يتألّم، 4- ما يتماشى مع عمر المريض ، والمناخ ، وموسم السنة، 5- أيّ تغيّر مميت في الجوّ أو المكان أو العادات )).
نظرا ً إلى اتّخاذ العربيّة لغة متعارفاً عليها للكتابات الطبّيّة والعلميّة كافّة بعد زمن حبيش بمدّة قصيرة ، لم تعد ثَمّة حاجة إلى الاستمرار في نسخ الأعمال السريانيّة  السابقة المختصة بهذه الموضوعات ، لذلك لم يُحفَظ منها إلاّ القليل .
كان كلٌّ من أيّوب الرهاويّ وحنين بن إسحق متضلّعين من (( حركة الترجمة)) التي تعهّدها الخلفاء العبّاسيّون . في استطاعتنا استراق النظر إلى الإثارة الفكرية لذلك العهد بالاطّلاع على بعض مراسلات طيموثاوس الأوّل ، جاثليق الكنيسة الأشوريّة(3) (780-823) . خلّف طيموثاوس هذا ، مثل إيشوعياب الثالث ( 649-659) ، حشدا ً بالغا ً من الرسائل ، تناول بعضها تحديداً الدور الذي كان طيموثاوس يؤدّيه . وهكذا يطلب طيموثاوس في الرسالة رقم 43 مساعدة مدرّسة السابق بِثيونPethion في بحثه عن شروحات على بعض أعمال أرسطو :
(( ليستعمل نيافتك ويسأل برجاحة عقل هل كان هناك شرح أو حواش ٍ لأيّ أحد ، سواء بالسريانيّة ام لا ، على هذا الكتاب ،(( الطوبِكا)) Topique (مقولات أرسطو)، أو على كتاب (( دحض      السفسطائّيين))، أو على (( الريتوريكا )) ( البلاغة ) ، أو على (( البِويتكا )) ( فنّ الشعر )، وإن وُجِد فاستخبر من وضعه ولأجل من وضعه ، وأين يكون . يجب توجيه الاستفسارات بهذا الشأن إلى دير مار متّاي – لكن ينبغي عدم الاستفسار بلهفة زائدة، لئلاّ تبقى المعلومات طيّ  الكتمان، بدلا ً من إفشائها ، بمجرد إدراك مصدر الاستفسار )) .
دير مار مَتّاي ( قرب الموصل) دير سريانيّ أرثوذكسيّ ، لذا خشي طيموثاوس رفض مساعدته في هذا الشأن إذا عُرِف مَن طالب بالمخطوطات .
يتبيّن الاهتمام بتشكيلة ضخمة من مختلف الموضوعات العلميّة من وجود ترجمات سريانيّة لنصوص يونانيّة عن هذه الموضوعات. وقد لا يمكن الجزم بانتماء هذه النصوص إلى عهد حركة الترجمة العبّاسيّة، أو بعودتها لفترة أسبق. ما تبقّى منها( البعض لا يعدو كونه جذاذات ناقصة) يتضمّن علم الزراعة وعلم البيطرة(في ((الجيوبونيكا)) لأناطوليوس البيروتيّ)، والرياضيّات ( في (( عناصر )) أوقليدس )، والكيمياء ( في أعمال زوسيمُس وديموقريطُس وغيرهما (( الخيميّة )) )، ولأرصاد الجوّيّة ( في مؤلّف لثيوفراسطُس في هذا الموضوع ) .
أنتج القرن التاسع بضعة مؤلّفين مهمّين آخرين كتبوا في موضوعات دنيويّة ، خارجة عمَّا سبق، إلاّ كثيرا ً من النصوص الباقية لم يتمّ نشره بعد . حتى عهد قريب كان هذا الحال الكتب الخمسة التي أنشأها أنطوان التكريتيّ (( في فنّ البلاغة )) ، عدا كتاب واحد. وبطبيعة الحال لا يتوفّر سوى الكتاب الخامس، في (( المحسنات البديعيّة )) ( Poetics ) ، في طبعة أكاديميّة مرفق بها ترجمة تعقيبيّة . للكتاب الخامس أهمّيّة خاصّة لمناقشته ضروب الأوزان الشعريّة السريانيّة المتعدّدة .
يقتبس أنطوان كذلك ، في ثنايا مصنَّفه، بضع مرّات من (( إلياذة هوميروس )) ، ما يقطع بتوفّر ترجمة سريانيّة سابقة لهذه الملحمة اليونانيّة الشهيرة، وهي التي أتّمها تيوفيلوس الحمصيّ المارونيّ (+785). و ((الإلياذة)) في الواقع هي المثال الوحيد على شعر يونانيّ كلاسيكيّ معروف أنّه تُرجِم إلى السريانيّة. كما يستشهد أنطوان بعدد لا بأس به من الفقرات من المؤلّفين السريانية الأقدمين، الذين لانعرف شيئا ً عنهم بخلاف ما أورده، من ضمنهم وافا الفيلسوف الآراميّ ( أو الوثنيّ )، الذي يقال إنّه أحد (( الأقدمين )). من المؤسف أنّه لا يمكن التفريق في الخطوط غير المشكول ( بالمصوَّنات) بين(أرامايا) و (( أراميّ )) و (( أرْمايا )) ( وثنيّ ).
إذا كان الشكل الثاني هو ما قصده أنطوان، فيكون هذا دليلا ً إضافيّا ً على وجود أدب وثنيّ بالسريانيّة. أمّا وجود هذا الأدب حقّاً– الذي تمركز حول حرّان – فيُستدلّ عليه من أدلّة أخرى : تُختتم مجموعة من النبوءات اليونانيّة الوثنيّة، التي قيل إنّها تشير إلى المسيح وتّم تأليفها في الغالب في مطلع القرن السابع، بالاستشهاد بنبوءات متعدّدة لبابا الحرّانيّ (( الذي يواظب الوثنيّون على قراءة كتبه ، والذي ذاع صيته كنبيّ بينهم، ويعدونه فوق الفلاسفة كافّة )). لكنّ ابن العبريّ يستشهد بفقرة أخرى لمؤلَّف وثنيّ حرّانيّ، هو أبو الحسن ثابت، في كتابه التاريخيّ Chronicon . بعد أن وصف الكاتب كيف أن حرّان (( لم تتدنّس قطّ بضلالة الناصرة ))، يستأنف قائلاً:
ها نحن ، ورثة الوثنيّة ومورّثوها، التي كان العالم يكّرمها قبلاً. ما أسعد الذي يتجشّم العناء في سبيل الوثنيّة، يحدوه أمل مستبين. مَن ذا الذي عمّر الدنيا وأسكن المدن، غير ملوك أزمنة الوثنيّة الشرفاء؟ مَن شيّد المرافئ وقنوات المياه؟ مَن كشف العلم المكنون ؟ لِمَن سطعت الألوهة، الُمقدّرة الأقدار والمنبئة بالتعتيدات، مثلما فعلت لأشراف الوثنيّين؟ لقد أوضحوا كلّ هذه الأمور، فأضاءوا شفاء النفوس وأبانوا خلاصهم. كما أضاءوا شفاء أجسادهم، وملأوا الخافقين بحسن سيرتهم وحكمتهم التي هي ذروة الفضيلة. بدون أمور الوثنية هذه، لخلا الكون وانتقص ، وائتزر بفقر مدقع)). (مترجمة من طبعة Bedjan ، ص 168 – 9 ) .
حُفِظ كذلك قدر كبير من الكتب في مواضيع دنيويّة لمؤلفين متعدّدين من القرنين الثاني والثالث عشر، إلاّ أنّ الكثير منها لم يُنشَر بعد. ويُستَدلّ على أنّ الكتابة بالسريا